كنعان – خاص
تعيش فلسطين اليوم خطرًا وجوديًّا واستهدافًا مباشرًا مُعلنًا؛ فمن القتل الجماعي والإبادة والتجويع والخنق في غزة، إلى التوغلات والحصار والمصادرة والتهويد في الضفة الغربية المحتلة.
ولم يعد الشجب والتنديد والنداءات الدولية تؤثِّر في واقع الحال أمام تسونامي القرارات الاستيطانية والتهويدية والسياسات الاحتلالية الإحلالية. فمن جهة، تواصل حكومة الاحتلال حربها المفتوحة على الشعب الفلسطيني، ومن جهة ثانية تصدر قرارات تنال من وحدة الجغرافيا الفلسطينية، وتستهدف الوجود الفلسطيني بكل مكوّناته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وكانت حكومة الاحتلال عبر المجلس الوزاري المصغّر (الكابينت) قد أعلنت عن حزمة قرارات وميزانيات تُعدّ الأخطر منذ عام 1967، وفق توصيف مجلس المستوطنات نفسه، الذي اعتبرها إعلانًا عمليًا بأن "أرض فلسطين التاريخية تعود للشعب اليهودي"، وترسيخًا للسيادة الاحتلالية على الأرض الفلسطينية المحتلة بحكم الأمر الواقع.
وأكدت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن حكومة الاحتلال خصصت ملايين الشواقل لما يُسمّى “إدارة التلال”، أي البؤر الاستيطانية العشوائية التي يجري تحويلها تدريجيًا إلى مستوطنات قائمة بذاتها.
جريمة مكتملة الأركان
بدوره، أكد المحلل السياسي د. عبد الرحيم جاموس أن ما أعلنه المجلس الوزاري المصغر لحكومة الاحتلال من حزمة قرارات وميزانيات يشكّل تطورًا خطيرًا ومحطة مفصلية في مسار الضم والاستيطان، معتبرًا أن هذه الخطوات تمثل خيارًا استراتيجيًا مكتمل الأركان وأداة مركزية في سياسة "الضم الزاحف"، القائمة على خلق وقائع ميدانية متراكمة دون إعلان رسمي، لكنها تُنتج في النهاية سيادة فعلية للاحتلال على الأرض الفلسطينية المحتلة.
وقال جاموس: "تكمن خطورة هذه القرارات في كونها استكمالًا مباشرًا لقانون الدولة القومية للشعب اليهودي الذي أقرّه الكنيست عام 2018، والذي منح غطاءً دستوريًا للتمييز ونفى حق تقرير المصير عن الشعب الفلسطيني".
ويرى أن ما يجري اليوم ليس انحرافًا طارئًا في سياسات الاحتلال، بل ترجمة عملية لبنية أيديولوجية ترى في الأرض حقًا حصريًا، وفي الفلسطينيين وجودًا بلا حقوق سيادية، بما يتنافى مع القانون الدولي، ويمثل انتهاكًا صارخًا لقواعد آمرة لا تقبل الجدل.
ونبّه إلى أن الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، أرضٌ محتلة وفق القانون الدولي الإنساني، وتخضع لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة. كما أن قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 2334، تؤكد عدم شرعية الاستيطان وبطلان أي إجراءات تهدف إلى تغيير الوضع القانوني أو الديمغرافي للأراضي المحتلة.
فوق القانون
وأشار إلى أن حكومة الاحتلال تتجاهل على الدوام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ضاربة بعرض الحائط كل الجهود الرامية إلى تحقيق سلام عادل.
فسياسات الاستيطان والضم تُفرغ الحديث عن “حل الدولتين” من مضمونه، وتحول الضفة الغربية إلى جزر معزولة، فيما تُطوَّق القدس المحتلة بحزام استيطاني خانق، يقضي عمليًا على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وعدّ أن هذه القرارات لا تهدد الفلسطينيين وحدهم، بل تقوّض الاستقرار الإقليمي برمته، فالمشروع الاستيطاني المتوسع لا ينتج أمنًا، بل يراكم أسباب الانفجار.
وأضاف: "إنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني لن يفرض واقعًا دائمًا، بل يفتح الباب أمام مزيد من التوتر، لأن الاحتلال يتصرف ككيان فوق القانون، يرى نفسه بمنأى عن المساءلة الدولية. وهذا السلوك لا يهدد فقط فرص السلام، بل يضرب أسس النظام الدولي القائم على احترام القواعد والقانون".
ويجزم جاموس أنه أمام الوقائع الجديدة لم تعد بيانات القلق كافية، والمطلوب انتقال جاد من إدارة الصراع إلى مساءلة الاحتلال وفرض احترام القانون الدولي، حمايةً للسلم والأمن الدوليين دون إبطاء.
وختم بالقول: "الشعب الفلسطيني، رغم حجم التحديات، يؤكد مرة أخرى أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن مشاريع الضم والاستيطان، مهما تعاظمت، لن تمنح الاحتلال شرعية، ولن تلغي حقيقة ثابتة: أن لهذه الأرض شعبًا، وأن هذا الشعب ماضٍ في نضاله المشروع دفاعًا عن حقه في وطنه".
تنسف كل الحلول
أما الكاتب الصحفي بهاء رحال، فأكد أن ما تقوم به حكومة الاحتلال ينسف كل القرارات الدولية القائمة على حل الدولتين والرامية إلى تحقيق سلام عادل.
وقال رحال: "نظام الأبارتهايد الذي تخطط له حكومة الاحتلال، لدفع الفلسطيني نحو التهجير والمنفى، تارة بالقوة العسكرية والبطش، وتارة بالخنق الجغرافي والاقتصادي والتعليمي والصحي، لا يتعارض فقط مع قرارات الشرعية الدولية، بل مع اتفاقات أوسلو، وتعهدات الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وما جرى التوقيع عليه في البيت الأبيض، ومع التزامات المجتمع الدولي واعترافات الدول بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته على كامل الأرض المحتلة عام 1967".
ولفت إلى أن الاحتلال يعمل منذ زمن على منع قيام أي كيان فلسطيني بشتى الوسائل، مشيرًا إلى ما قاله الوزير المتطرف سموتريتش تعليقًا على قرارات حكومته الأخيرة: "اليوم ندفن الدولة الفلسطينية".
ويرى رحال أن مواجهة ما يجري في ظل السياسات الأمريكية المنحازة، والضعف الدولي أمام الهيمنة الاحتلالية، يتطلب من الموقف الفلسطيني تغيير أدواته بما يواكب الظرف المعقد، وأن تكون الخطط بحجم التحديات؛ فالصمت لا يردع المحتل، والانتظار يفضي إلى عواقب أكثر خطورة.
وشدد على ضرورة الانتقال من مربع ردّ الفعل إلى الفعل المؤثر، ومن لغة بيانات الشجب والاستنكار إلى أدوات المواجهة السياسية والقانونية والشعبية، وبناء استراتيجية وطنية جامعة تستند إلى وحدة الموقف، وتفعيل كل أشكال الضغط المشروعة، حمايةً للأرض والإنسان، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني عادلة، لا تسقط بالتقادم ولا تُمحى بقرارات القوة والهيمنة.