كنعان - ضحى أبو عاصي
"في مثل هذه الأوقات من كل عام كنتُ أعد نفسي إيمانياً لاستقبال هذا الشهر الفضيل، ولكن اليوم بت أقضي جلَّ نهاري في مصارعة طوابير الماء والتكية لأملأ جالون ماءٍ يروي عطش أطفالي وحلة من الطعام أسد بها رمقهم. لقد سرقت الحربُ فرحتنا بقدوم رمضان، ولم تترك لنا سوى أجسادٍ مثقلة بالأوجاع والهموم".
بتلك الكلمات المليئة بالمرارة، افتتح الخمسيني أبو رائد حديثه عن استقبال شهر رمضان في غزة، واستمر قائلاً:" شهر رمضان شهر طاعات، نعد له عدته الإيمانية، إلى جانب تجهيز الأطعمة الخاصة به، والتي لا يحلو تناولها إلا في ليالي سمره مع الأحبة والأقارب".
يستذكر أبو رائد رمضانيْن سابقين مرا تحت وطأة الحرب، لكن مرارة هذا العام تتضاعف مع المنخفضات الجوية المتلاحقة. على حد تعبيره.
وأضاف "حياة النازحون في الخيام صعبةً للغاية، فالبرد يتسلل لأجسادنا، ومياه الأمطار اخترقت خيامنا المهترئة وأغرقت أمتعتنا وفراشنا عدة مرات خلال فصل الشتاء".
وتساءل الخمسيني وقلبه يعتصر الماً، قائلاً:" متى ستتوقف الحرب، وتنتهي معاناتنا ونعود لنعيش بين أربعة جدران تحمينا برد الشتاء وحرارة الصيف، وننعم بالجو الأسري الذي بتنا نفتقده في حياة التشتت في خيام النزوح...؟".
فرمضانٌ هذا العام يمرّ للمرة الثالثة على العائلات الغزّية وهم تحت وطأة القصف وحياة النزوح في الخيام، حيث تحولت استعداداتهم من بهجةٍ روحانية إلى معركة بقاءٍ يومية.
أعباء النزوح: طقوس من نوعٍ آخر
لم يعد الغزيون ينشغلون باختيار أجود أنواع التمور والأطعمة والفوانيس، بل بات برنامجهم اليومي عبارة عن سلسلة من الأشغال الشاقة التي فرضتها حياة النزوح بسبب الحرب. فمنذ ساعات الفجر الأولى، يبدأ "ماراثون" البحث عن مقومات الحياة.
المواطن عبد القادر صقر، نازحٌ في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، عبر بحزن شديد عن غياب الاستعدادات "الجميلة" لاستقبال شهر رمضان، موضحاً أنه كان في السنوات التي سبقت الحرب يتجهز وأسرته لشراء الأطعمة المختلفة التي لا تحلو سفرة رمضان الا بوجودها عليها، وفق تعبيره.
وتابع قائلاً:" صحيح أن العديد من السلع دخلت قطاع غزة، لكن نتحدث اليوم عن عامين من حرب الإبادة التي اكلت الأخضر واليابس، وقضت على مقومات الحياة، ولم تبقِ للمواطن الغزي إلا الفقر والحاجة، والتسول امام المؤسسات والجمعيات التي لا تقدم من المساعدات الغذائية إلا ذر الرماد بالعيون".
رمضان الأمهات: سفرةٌ ناقصة وجرحٌ متجدّد
مشاهد المعاناة والألم داخل الخيام لم تقتصر على الرجال فقط ، فالنساء ايضاً كان لهن النصيب الأكبر في تحمل أعباء الحرب وتبعاتها، وهنَّ اللواتي يقع على عاتقهنَّ مسؤولية جعل الحياة أكثر قبولاً..، فرمضان في الخيام لا يُثقل كاهل الأمهات بالتعب فقط، بل يوقظ فيهن فواجع لا تنام. تقول أم محمد (47 عامًا)، التي فقدت اثنين من أبنائها خلال الحرب:"مع قدوم شهر رمضان استذكر ابنائي الذين افقدتني الحرب اياهم، ويتجدد الألم عند الجلوس على سفرة الطعام، التي كانت تجمعنا بهم حول مائدة واحدة نتناول الطعام ونتبادل أطراف الحديث والمزاح، ونصلي ونبتهل بالدعاء معاً".
واكملت بصوت مخنوق" ولكن هذا العام لا أتصور كيف سأستقبل شهر رمضان وأماكنهم خالية".
وأضافت ودمعة يتيمة سقطت من مقلتيها"مش صعب الجوع الصعب تفطر وأنتِ ناقصِك روح من روحك، تحضّري الأكل وتعدّي الصحون، وتستوعلي إن العدد أقل، وإنك فقدتهم للأبد..".
أحلام صغيرةً في مهبّ الشتاء
أما الأطفال، فيستقبلون رمضان وقد فقدوا كل ما جعله عيدًا في أعينهم؛ لا فانوس، ولا زينة، ولا لعب في الحارات، ولا مسحراتي يوقظهم على الفرح. تقول الطفلة سما (10 أعوام) من داخل خيمتهم:"زمان في رمضان كنا نلبس جديد ونلعب، هلقيت بنستنى بس الشمس تطلع عشان نتدفى. نفسي نرجع على بيتنا ونفطر على سفرة حقيقية، مش في الخيمة".
أمنيات أطفال غزة اليوم لا تتجاوز لحظة امانٍ يعيشونها بعيداً عن القصف والرصاص العشوائي الذي طال العديد منهم، وسقفًا يحميهم المطر، ودفئًا يعيد إليهم بعضًا من طفولتهم المسلوبة.
ترقب مشوب الأمل
يبقى رمضان في غزة هذا العام اختبارًا جديدًا لإرادة البقاء. الحرب متواصلة تحت ستار اتفاقية "ترامب"، والخيام لازالت قائمة، والمعاناة مستمرة، لكن إيمانهم لم ينكسر، بل يبتهلون بدعاءً واحد أن تضع الحرب أوزارها، وان تعود الحياة للغزة، وأن يعُم الأمن والسلام على الجميع.