كنعان – محمد الجبور
عامٌ مضى وعامٌ جديد يطل محملًا بأثقال من الهموم والآلام لا تزال غزة الجريحة تتجرعها رغم التوصل إلى اتفاق أفضى إلى وقف حرب الإبادة.
ومن بين أعقد الملفات وأكثرها قسوة على نفوس الغزيين، تعذر عمليات انتشال آلاف الجثامين المدفونة تحت الأنقاض، في ظل النقص الحاد في الآليات المناسبة، وحجم الدمار الهائل، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى مئات الشهداء الذين ما زالوا تحت أنقاض منازلهم داخل المناطق التي يصنفها الاحتلال "مناطق صفراء".
آلام تتجدد كل يوم
قصص المفقودين تتكرر في كل مدينة وقرية ومخيم، ففي مدينة خان يونس فقد مأمون الجبور 40 من أفراد عائلته ولا يزال 14 منهم مفقودين تحت الركام بعد عامين من حرب الإبادة، ينتظرون انتشالهم لدفنهم في المقابر إكرامًا لهم.
ويبين الجبور أن جميع محاولاتهم لإخراج جثامين أفراد عائلته باءت بالفشل، بسبب عدم توفر المعدات الثقيلة لدى طواقم الدفاع المدني.
وفي بيت لاهيا فقد محمود أبو نصر أكثر من 100 فرد من عائلته في غارة واحدة، ولا يزال 50 منهم تحت الأنقاض بعد عام من الحرب، يحدوهم الأمل بانتشالهم ودفنهم في مقابر المسلمين.
ويقول أبو نصر:"قمة المعاناة أن تنصب خيمتك قرب منزل عائلتك المدمّر، الذي لا يزال تحته العشرات من أهلك، ولا تستطيع الوصول إليهم لدفنهم، أسوة بغيرهم من الشهداء الذين ارتقوا في حرب الإبادة".
أما هديل شحيبر، فلم تستطع سوى دفن بعض أفراد عائلتها بعد أكثر من عام ونيف على استشهادهم جراء قصف طائرات الاحتلال الإسرائيلي.
ويأمل الجبور وأبو نصر وشحيبر، وغيرهم من آلاف العائلات، مع هذا العام الجديد أن يتمكنوا من دفن ذويهم في المقابر أسوة بغيرهم من آلاف الشهداء إكرامًا لأرواحهم.
إمكانات شبه معدومة
وفي هذا السياق، يقول مسؤول الدفاع المدني في خان يونس، يامن عبد القادر أبو سليمان، لـ وكالة كنعان الإخبارية، إن قلة الإمكانات وغياب المعدات الثقيلة حالت دون تمكنهم من إخراج مئات الجثامين التي لا تزال تحت ركام المنازل الكبيرة.
وأوضح أن جهود طواقم الدفاع المدني تتركز حاليًا على إخراج الجثامين من تحت المباني الصغيرة ذات الطابق أو الطابقين، في حين يبقى العمل في المباني الكبيرة كالعمارات والأبراج والمؤسسات مؤجلًا، لحين إدخال المعدات والآليات الثقيلة.
وأشار أبو سليمان إلى أن الطواقم تمكنت من إخراج 34 جثمانًا في خان يونس، باستخدام أدوات بدائية مثل المجارف والمعاول وعربات اليد وبالأيدي العارية أحيانًا، إضافة إلى استئجار جرافة صغيرة (باقر) لرفع الركام تعطلت لاحقًا لعدم توفر قطع الغيار اللازمة لإصلاحها.
طول الانتظار يجعل العثور مستحيلًا
ولم يُخف أبو سليمان قلقه الشديد من أن طول أمد الانتظار سيؤدي إلى صعوبة العثور على الجثامين تحت الأنقاض، بسبب تحللها أو تعذر التعرف على هويتها في حال العثور عليها، في ظل غياب المخابر الجنائية اللازمة لفحص البصمة الوراثية (DNA).
وأشار إلى أن مطالباتهم المتكررة بإدخال الجرافات والآليات الثقيلة، وتوفير الوقود وقطع الغيار لإصلاح المعدات المعطلة، إضافة إلى إنشاء مختبرات جنائية بالتعاون مع الصليب الأحمر، لم تلق أي استجابة من جانب الاحتلال الإسرائيلي حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
وتوقع مدير الدفاع المدني أنه في حال توفر المعدات الثقيلة، ستستغرق عملية انتشال الجثامين من تحت الركام نحو عام كامل.
10 آلاف مفقود
وحول أعداد المفقودين، قال أبو سليمان: "يصل عدد المفقودين إلى نحو 10 آلاف شخص، لكن لا يمكن منحهم صفة شهداء، لاحتمال وجود بعضهم أحياء في سجون الاحتلال، كما حدث مع عدد من الأسرى الذين أُفرج عنهم مؤخرًا، بعد أن كان ذووهم يعتقدون أنهم استشهدوا خلال الحرب".
مطالبة عاجلة بإدخال المعدات الثقيلة
وطالب أبو سليمان مؤسسات المجتمع الدولي، وضامني اتفاق وقف الحرب على غزة، بسرعة إدخال المعدات الثقيلة وقطع الغيار والوقود، لانتشال الجثامين الموجودة تحت الركام قبل فوات الأوان.
وأوضح أن مرور الوقت سيجعل العثور على الجثامين أكثر صعوبة، بفعل تحللها وتحولها، نتيجة التغيرات المناخية والعوامل الطبيعية إلى عظام أو تراب، ولفت إلى أنه خلال إحدى عمليات البحث عن خمسة جثامين أسفل عمارة سكنية لم يُعثر على أي أثر لهم رغم تأكيد الجميع بوجودهم مرجعًا ذلك إلى احتمالات عدة منها وقوعهم في دائرة الانفجار الأولى، أو تناثرهم أشلاءً أو تبخرهم بفعل درجات الحرارة الهائلة للمادة الانفجارية التي قد تصل إلى نحو 3000 درجة مئوية.
ورغم مرور أكثر من شهرين على وقف الحرب، لا تزال غزة أشبه بمدينة مهدمة المعالم؛ أحياؤها السكنية تحولت إلى أكوام من الركام، وطرقاتها لا تقود إلى مكان لتبدو اليوم كجدران رمادية تفصل الأحياء عن الحياة.