كنعان – خاص
رغم بيئة العمل شبه المستحيلة والحصار الشامل والاستهداف المباشر، لم يكتف الإعلام الفلسطيني بنقل مشاهد العدوان على قطاع غزة بل نجح في فرض روايته على المشهد الدولي، متقدمًا على إعلام الاحتلال "الإسرائيلي" الذي يمتلك منظومة دعائية ضخمة مدعومة غربيًا وعربيًا، هذا التفوق لم يكن تقنيًا بقدر ما كان أخلاقيًا وإنسانيًا وأسهم في إحداث تحول مفصلي في الرأي العام العالمي تجاه حرب الإبادة المستمرة على غزة.
انقلاب في الوعي الدولي
الكاتب والباحث المغربي بلال التليدي يؤكد أن ما جرى لا يمكن اختزاله في تعاطف عاطفي عابر، بل يمثل تحولًا حقيقيًا في الوعي العالمي، قائلًا لـ"كنعان" إن الإعلام الفلسطيني تفوق في معركة الرواية لأنه نقل الحقيقة كما هي، مباشرة من قلب الحدث، دون فبركة أو توظيف سياسي فج.
ويوضح التليدي أن الإعلام "الإسرائيلي"، رغم الدعم الهائل الذي يحظى به من شبكات دولية، وقع في مأزق أخلاقي ومهني نتيجة اعتماده على بروبوغاندا تقليدية حاولت تبرير الجرائم لا تفسير الوقائع، ما أفقده المصداقية أمام جمهور عالمي بات أكثر حساسية للصورة الإنسانية.
ويرى التليدي أن الصورة الحية شكلت عنصر التفوق الأبرز، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها "الانتسقرام"، التي خرجت نسبيًا عن السيطرة التقليدية للوبيات الداعمة للاحتلال، ويضيف أن مشاهد الأطفال تحت الأنقاض واستهداف النازحين ورسائل الصحفيين من قلب القصف أحدثت صدمة وعي لدى الرأي العام الغربي، انعكست بشكل واضح في استطلاعات الرأي داخل الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية لا سيما إسبانيا وبلجيكا والدول الإسكندنافية.
هذا التحول وفق التليدي، أسهم في محاصرة الرواية "الإسرائيلية" دوليًا وفتح نافذة أمل لمسار قانوني دولي أكثر عدالة بما في ذلك القضايا المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية.
الإعلام كأداة صمود نفسي
من جانبه، يصف الباحث الفلسطيني في الشؤون العسكرية والأمنية د. رامي أبو زبيدة الإعلام الفلسطيني بأنه لم يكن مجرد ناقل للحدث، بل تحول إلى أداة صمود نفسي وروحي في مواجهة حرب نفسية "إسرائيلية" ممنهجة.
ويشير أبو زبيدة إلى أن الاحتلال يوظف الإعلام كجزء من استراتيجيته العسكرية لكسر الروح المعنوية للفلسطينيين، إلا أن الإعلام المحلي نجح في بناء ما يسميه "المناعة النفسية الجمعية"، عبر توثيق المعاناة وتعزيز الشعور الجماعي بالثبات وكسر العزلة النفسية التي يسعى الاحتلال لفرضها.
ويؤكد أن هذا الإنجاز يتطلب استدامته عبر استراتيجية إعلامية استباقية، تقوم على التثقيف وتوحيد الخطاب الوطني وفضح شبكات التضليل وإبراز النماذج الإنسانية الملهمة.
الاستهداف… اعتراف بقوة الحقيقة
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا أن الاستهداف المباشر والمتكرر للصحفيين الفلسطينيين يعبر عن إدراك الاحتلال لخطر الحقيقة وليس عن أخطاء عسكرية عشوائية.
ويؤكد القرا أن الاحتلال سعى من خلال استهداف الصحفيين إلى إسكات الرواية الفلسطينية، إلا أن النتيجة جاءت معاكسة، حيث تحول الصحفيون الشهداء إلى شهود تاريخ وفضحت دماؤهم زيف ادعاءات "الجيش الأكثر أخلاقية".
ويعبر القرا عن أسفه لصمت المؤسسات الحقوقية الدولية، معتبرًا أن هذا الصمت يشكل امتدادًا لانحياز سياسي واضح خاصة في ظل الأرقام الصادمة التي توثق استشهاد 257 صحفيًا فلسطينيًا منذ بدء حرب الإبادة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم 56 صحفيًا خلال عام 2025، وفق إحصاءات مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين والمكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
ما أنجزه الإعلام الفلسطيني خلال حرب غزة لم يكن تفوقًا مهنيًا فحسب، بل انتصارًا أخلاقيًا في معركة الوعي، فقد سقطت بروبوغاندا الاحتلال لأنها افتقدت للصدق بينما انتصرت الرواية الفلسطينية لأنها حملت صوت الإنسان لا منطق القوة.