كنعان – خاص
مع انطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لما يُعرف بـ"مجلس السلام"، بدت مؤشرات التشاؤم لدى الشارع الغزي أقوى من نظيرتها التفاؤلية، في ظل غياب أي التزام عملي من قبل الاحتلال "الإسرائيلي" بتطبيق بنود الاتفاق، واستمراره في عمليات التوغل والقصف الجوي والمدفعي، إلى جانب إطلاق النار العشوائي، دون اكتراث بحياة المواطنين، الذين قضى العشرات منهم نحبهم في أماكن نزوحهم.
ويتابع الشارع الفلسطيني في قطاع غزة التحضيرات لتشكيل اللجنة الفلسطينية المنبثقة عن حكومة التكنوقراط لإدارة شؤون القطاع إنسانيًا ومدنيًا، وسط آمال بأن تسهم في انتشال مئات آلاف النازحين من واقع الفقر والعوز، وتوفير الإغاثة الغذائية والطبية والدعم النفسي، بالتوازي مع انسحاب الاحتلال "الإسرائيلي" إلى ما قبل الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبدء إدخال مواد البناء والشروع في إعادة الإعمار.
غير أن هذه الآمال تقابلها حالة من القلق وعدم اليقين، في ظل غياب مؤشرات واضحة حول مسار المرحلة الثانية، وآليات تنفيذها على أرض الواقع.
ووفق رؤية عدد من الباحثين والمحللين، لا تزال الصورة ضبابية بشأن كيفية إدارة المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قطاع غزة، وكذلك حول طبيعة عمل حكومة التكنوقراط الفلسطينية التي أُعلن عن تعيينها، في ظل استمرار العدوان "الإسرائيلي" وتصاعد وتيرته.
إجراء تصريحي
وفي أحدث تصريح لرئيس حكومة الاحتلال "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو، أكد أن "تشكيل حكومة التكنوقراط الذي أعلن عنه مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، هو إجراء تصريحي فحسب"، مشددًا على أن الانتقال إلى المرحلة الثانية لن يؤثر على مواصلة الاحتلال تحقيق أهدافه، المتمثلة – وفق ادعائه – في استعادة جثة جندي أسير لا تزال في قطاع غزة، وتفكيك حركة حماس، وتحويل القطاع إلى منطقة منزوعة السلاح.
ونقلت وسائل إعلام عبرية عن مصدر سياسي "إسرائيلي" قوله إن "إسرائيل لن تسمح بتقدم أي خطوات لإعادة الإعمار قبل نزع سلاح المقاومة".
وبالانتقال إلى المرحلة الثانية، تشير المعطيات إلى أن جيش الاحتلال "الإسرائيلي" لن ينسحب من منطقة "الخط الأصفر"، التي تشكل نحو 53% من مساحة قطاع غزة، رغم أن خطة ترامب تنص على ذلك، في حين لم يتطرق ويتكوف إلى أي انسحاب فعلي خلال إعلانه عن إطلاق المرحلة الثانية.
ويعني ذلك، وفق الكاتب والباحث الصحفي عز الدين المصري، أن الاحتلال "الإسرائيلي" لقطاع غزة باقٍ كما هو، بل إن "إسرائيل" تمهد لاستمرار عملياتها العسكرية، لا سيما الجوية، في غزة، بما ينسجم مع سياساتها ومخططاتها الرامية إلى تكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية.
وأضاف المصري أن الاحتلال ينظر إلى أي شاب في قطاع غزة باعتباره "مخربًا محتملًا"، وفق ما أوردته الصحف العبرية، بغض النظر عن كونه أعزلًا أو يحمل سلاحًا بدائيًا.
غير قابلة للحياة
المواطن مازن عبد الغني قال إن جلّ ما يتمناه اليوم هو وقف الحرب وانسحاب جيش الاحتلال إلى ما قبل الثامن من أكتوبر، والبدء الجدي في إعادة الإعمار، مضيفًا: "الشعب الفلسطيني يعيش داخل خيام غير قابلة للحياة، وكل ما نريده أن يأتي من يخرجنا من هذا الجحيم الإنساني".
أما المواطن جمال فارس، فوصف الواقع الذي يعيشه هو وآلاف النازحين بالكارثي، معربًا عن أمله بإنهاء كافة أشكال العدوان "الإسرائيلي"، وزيادة إدخال المساعدات، والشروع الفعلي في إعمار قطاع غزة.
وختم بالقول: "والله تعبنا.. عامان من النزوح والقصف والقتل، ولا تزال "إسرائيل" تصر على مواصلة الغطرسة والقتل، وسط صمت قاتل من الولايات المتحدة، الضامن لاتفاق وقف إطلاق النار، والعالم بأسره شاهد دون أن يحرك ساكنًا".
فيما تساءلت المواطنة روان درويش عن مصير المرحلة المقبلة، ومتى سيتم الانتقال من الدمار إلى الإعمار، معربة عن تفاؤل حذر بإمكانية تحقيق أي تقدم فعلي لصالح المواطن الفلسطيني خلال المرحلة الثانية، كما لم يتحقق في المرحلة الأولى.
لجنة "بروتوكوليًا"
بدوره، أوضح الكاتب والباحث الصحفي عز الدين المصري أن إعلان الولايات المتحدة الشروع في المرحلة الثانية يأتي في إطار بروتوكولي يهدف إلى امتصاص الغضب الدولي المتصاعد تجاه التصرفات العدوانية "الإسرائيلية" بحق الشعب الفلسطيني.
وأضاف أن "إسرائيل" لم تلتزم بتنفيذ أي من شروط اتفاق وقف الحرب في مرحلته الأولى، بل واصلت القصف والتوغل، وأغلقت المعابر، ومنعت سفر المرضى لتلقي العلاج، وعرقلت دخول الوفود الطبية، كما منعت الصحفيين الأجانب من دخول القطاع لنقل الصورة الحقيقية لما يجري في غزة.
وأشار إلى أن لجنة السلام الدولية لا تزال تراوح مكانها، في ظل غياب أي مؤشرات ميدانية على جدية الاحتلال في التعاون معها لتنفيذ بنود الاتفاق.
وشدد على أن الضغط الأمريكي لا يُمارس فعليًا على "إسرائيل"، بل يهدف إلى إيهام العالم بوجود هذا الضغط، في محاولة للالتفاف على الرأي العام الدولي المتنامي رفضًا للحرب.
دورها مدنيًا وإنسانيًا
من جهته، قال المحلل السياسي مصطفى إبراهيم إن المرحلة الثانية يكتنفها قدر كبير من الغموض، لا سيما في ظل غياب قوة متعددة الجنسيات تكون معنية بمتابعة تنفيذ بنود الاتفاق وكبح تغول الاحتلال ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة على الأرض.
وتساءل عن كيفية عمل حكومة التكنوقراط الفلسطينية، التي يُفترض أن تدير شؤون القطاع، في ظل استمرار الاحتلال "الإسرائيلي" وعملياته العسكرية.
ورجح إبراهيم أن دور اللجنة سيبقى محصورًا في الجوانب المدنية والإنسانية، دون أي صلاحيات سياسية أو سيادية.
وأظهر تقرير إحصائي أنه منذ بدء وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2024، بلغ عدد الشهداء 451 شهيدًا، إضافة إلى 1,251 مصابًا، فيما جرى انتشال 710 شهداء من تحت الأنقاض.
وبذلك يرتفع إجمالي عدد الشهداء منذ بدء العدوان في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى نحو 71,441 شهيدًا، إضافة إلى 171,329 مصابًا.
ويمثل الإعلان عن هوية أعضاء اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة محطة مفصلية في مسار اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن الواقع الميداني والسياسي لا يزال يعكس فجوة واسعة بين ما هو مُعلن على الورق، وما يُفرض بالقوة على الأرض.