ياسر الفاضي.. حين يصبح الصحفي شاهدًا وشهيدًا في مواجهة رصاص الاحتلال

ياسر الفاضي.. حين يصبح الصحفي شاهدًا وشهيدًا في مواجهة رصاص الاحتلال

كنعان - محمد الجبور

في فلسطين لا تُكتب الحكايات بالحبر وحده بل بمداد الدم، ولا تُحفظ الذاكرة في الأرشيف فقط بل في صدور الأمهات وعيون الزوجات ودفاتر الصحفيين الذين ساروا إلى الميدان وهم يدركون أن الكاميرا قد تتحول في أية لحظة إلى شاهد على رحيلهم.

هكذا كانت سيرة الصحفي الشهيد ياسر ممدوح الفاضي، 41 عام، الذي ارتقى صباح الحادي عشر من فبراير/ شباط 2024م، برصاص قناص من جيش الاحتلال، أصابه إصابة مباشرة أمام بوابة الاستقبال في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس، أثناء أدائه واجبه المهني في تغطية حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة.

الشاهد الذي صار شهيدًا

كان الزميل الصحفي ياسر الفاضي في الصفوف الأولى دومًا يوثق مشاهد قتل الأطفال ونسف البيوت فوق ساكنيها، وينقل للعالم صورة الجرائم التي حاول الاحتلال طمسها، لم يكن ناقلًا للحدث فحسب، بل كان جزءًا من مشهده، حتى صار هو الحدث ذاته.

ورغم إصابته السابقة خلال تغطيته مسيرات العودة شرق خان يونس، والتي ظل يعاني من آثارها حتى استشهاده، لم يتراجع عن أداء رسالته، مؤمنًا بأن نقل الحقيقة واجب وطني وأخلاقي لا يسقط تحت القصف.

الابن البار… والفراغ الذي لا يُملأ

تتحدث والدته المرأة المريضة طريحة الفراش، بصوت يختلط فيه الفخر بالحزن: "كان ابني البار… يلبي كل ما أحتاجه دون تردد"، قبل أن تضيف أن استشهاده ترك فراغًا كبيرًا لا يمكن أن يعوضه أحد.

كان الابن الوحيد الذي يسند أمًا عاجزة، والأب الذي يعيل أسرة كبيرة، والأخ الحاضر في حياة شقيقاته، والزوج الذي شكّل لزوجته سندًا في طريق الحياة الشاق.

رجل استثنائي

زوجته "أم ممدوح" تستحضر تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة: "لم يكن إنسانًا عاديًا… كان رجلًا يخوض كل شيء لأجل أسرته، ولأجل أن يرسم البسمة على وجوه من حوله".

تروي كيف كان يفضل قضاء أوقاته إلى جانب والدته، وكيف كان يشاركها إعداد الطعام، متقنًا كما في عمله، مبدعًا كما في مهنته.

وترى أسرته في عمله الصحفي رسالة سامية، آمن بها وسار في طريقها مدركًا حجم المخاطر، لكنه لم يتراجع.

روح الفريق وضمير المهنة

مدير وكالة كنعان الإخبارية، أ. سائد الأخرس، قال إن ياسر "كان أكثر من زميل، كان روح الفريق وضمير المهنة"، موضحًا أنه لم يكن شخصاً عابرًا يوثق الحدث، بل صحفيًا ينسج الخبر بدقة، ويصوغه بوعي ومسؤولية، مدركًا أن كل كلمة قد تكون شهادة للتاريخ.

وأضاف الأخرس أن ياسر كان في الميدان جزءًا من الحدث نفسه، يتحرك بين القصف والدمار ليصل برسالة فلسطين إلى كل زاوية في العالم، مؤكدًا أن استمرار الطواقم الإعلامية في العمل رغم القصف والحصار يشكل تحديًا للظروف، وإصرارًا على بقاء الرواية الفلسطينية حيّة وشفافة في وجه محاولات الطمس والتشويه.

وأشار إلى أن رسالة ياسر ستظل حاضرة في كل عدسة وكلمة، وأن الحقيقة التي ضحى بحياته من أجلها لن تُمحى مهما اشتد القصف واستحكم الحصار.

استهداف مقصود للحقيقة

استشهاد ياسر لم يكن حادثًا معزولًا بل يأتي في سياق سياسة ممنهجة ينتهجها الاحتلال بحق الطواقم الإعلامية في قطاع غزة، في محاولة لطمس الرواية الفلسطينية وفرض روايته الأحادية.

ووفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي ونقابة الصحفيين الفلسطينيين، فقد ارتقى 260 صحفيًا وصحفية منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، في حصيلة غير مسبوقة.

كما تؤكد تقارير حقوقية وأممية أن الصحفيين والمؤسسات الإعلامية تعرضوا لاستهداف مباشر رغم الحماية التي يكفلها لهم القانون الدولي الإنساني.

وتنص المادة (79) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على أن الصحفيين الذين يغطون النزاعات المسلحة يتمتعون بالحماية الممنوحة للمدنيين، ولا يجوز استهدافهم تحت أي ظرف.

منظمات دولية، بينها “مراسلون بلا حدود” واللجنة الدولية لحماية الصحفيين، اعتبرت أن الحرب على غزة تُعد الأكثر دموية في تاريخ العمل الصحفي، في مؤشر خطير على حجم المخاطر التي يتعرض لها الإعلاميون الفلسطينيون.

ياسر الفاضي.. حين يصبح الصحفي شاهدًا وشهيدًا في مواجهة رصاص الاحتلال

الأربعاء 11 / فبراير / 2026

كنعان - محمد الجبور

في فلسطين لا تُكتب الحكايات بالحبر وحده بل بمداد الدم، ولا تُحفظ الذاكرة في الأرشيف فقط بل في صدور الأمهات وعيون الزوجات ودفاتر الصحفيين الذين ساروا إلى الميدان وهم يدركون أن الكاميرا قد تتحول في أية لحظة إلى شاهد على رحيلهم.

هكذا كانت سيرة الصحفي الشهيد ياسر ممدوح الفاضي، 41 عام، الذي ارتقى صباح الحادي عشر من فبراير/ شباط 2024م، برصاص قناص من جيش الاحتلال، أصابه إصابة مباشرة أمام بوابة الاستقبال في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس، أثناء أدائه واجبه المهني في تغطية حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة.

الشاهد الذي صار شهيدًا

كان الزميل الصحفي ياسر الفاضي في الصفوف الأولى دومًا يوثق مشاهد قتل الأطفال ونسف البيوت فوق ساكنيها، وينقل للعالم صورة الجرائم التي حاول الاحتلال طمسها، لم يكن ناقلًا للحدث فحسب، بل كان جزءًا من مشهده، حتى صار هو الحدث ذاته.

ورغم إصابته السابقة خلال تغطيته مسيرات العودة شرق خان يونس، والتي ظل يعاني من آثارها حتى استشهاده، لم يتراجع عن أداء رسالته، مؤمنًا بأن نقل الحقيقة واجب وطني وأخلاقي لا يسقط تحت القصف.

الابن البار… والفراغ الذي لا يُملأ

تتحدث والدته المرأة المريضة طريحة الفراش، بصوت يختلط فيه الفخر بالحزن: "كان ابني البار… يلبي كل ما أحتاجه دون تردد"، قبل أن تضيف أن استشهاده ترك فراغًا كبيرًا لا يمكن أن يعوضه أحد.

كان الابن الوحيد الذي يسند أمًا عاجزة، والأب الذي يعيل أسرة كبيرة، والأخ الحاضر في حياة شقيقاته، والزوج الذي شكّل لزوجته سندًا في طريق الحياة الشاق.

رجل استثنائي

زوجته "أم ممدوح" تستحضر تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة: "لم يكن إنسانًا عاديًا… كان رجلًا يخوض كل شيء لأجل أسرته، ولأجل أن يرسم البسمة على وجوه من حوله".

تروي كيف كان يفضل قضاء أوقاته إلى جانب والدته، وكيف كان يشاركها إعداد الطعام، متقنًا كما في عمله، مبدعًا كما في مهنته.

وترى أسرته في عمله الصحفي رسالة سامية، آمن بها وسار في طريقها مدركًا حجم المخاطر، لكنه لم يتراجع.

روح الفريق وضمير المهنة

مدير وكالة كنعان الإخبارية، أ. سائد الأخرس، قال إن ياسر "كان أكثر من زميل، كان روح الفريق وضمير المهنة"، موضحًا أنه لم يكن شخصاً عابرًا يوثق الحدث، بل صحفيًا ينسج الخبر بدقة، ويصوغه بوعي ومسؤولية، مدركًا أن كل كلمة قد تكون شهادة للتاريخ.

وأضاف الأخرس أن ياسر كان في الميدان جزءًا من الحدث نفسه، يتحرك بين القصف والدمار ليصل برسالة فلسطين إلى كل زاوية في العالم، مؤكدًا أن استمرار الطواقم الإعلامية في العمل رغم القصف والحصار يشكل تحديًا للظروف، وإصرارًا على بقاء الرواية الفلسطينية حيّة وشفافة في وجه محاولات الطمس والتشويه.

وأشار إلى أن رسالة ياسر ستظل حاضرة في كل عدسة وكلمة، وأن الحقيقة التي ضحى بحياته من أجلها لن تُمحى مهما اشتد القصف واستحكم الحصار.

استهداف مقصود للحقيقة

استشهاد ياسر لم يكن حادثًا معزولًا بل يأتي في سياق سياسة ممنهجة ينتهجها الاحتلال بحق الطواقم الإعلامية في قطاع غزة، في محاولة لطمس الرواية الفلسطينية وفرض روايته الأحادية.

ووفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي ونقابة الصحفيين الفلسطينيين، فقد ارتقى 260 صحفيًا وصحفية منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، في حصيلة غير مسبوقة.

كما تؤكد تقارير حقوقية وأممية أن الصحفيين والمؤسسات الإعلامية تعرضوا لاستهداف مباشر رغم الحماية التي يكفلها لهم القانون الدولي الإنساني.

وتنص المادة (79) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على أن الصحفيين الذين يغطون النزاعات المسلحة يتمتعون بالحماية الممنوحة للمدنيين، ولا يجوز استهدافهم تحت أي ظرف.

منظمات دولية، بينها “مراسلون بلا حدود” واللجنة الدولية لحماية الصحفيين، اعتبرت أن الحرب على غزة تُعد الأكثر دموية في تاريخ العمل الصحفي، في مؤشر خطير على حجم المخاطر التي يتعرض لها الإعلاميون الفلسطينيون.