حطب الفقراء ورصاص القناصة: جريمة جديدة بحق طفولة غزة

حطب الفقراء ورصاص القناصة: جريمة جديدة بحق طفولة غزة

كنعان - محمد الجبور

لم يدر بخلد الطفل معتصم أحمد الشرافي، ثلاثة عشر ربيعًا، أن خروجه مع إشراقة ساعات الصباح الباكر، اليوم الأربعاء، لجمع حزمة من الحطب قرب المناطق المصنفة بـ“الصفراء”، لمساعدة والدته على طهي وجبة من الطعام لأشقائه الصغار، سيكون نهاية رحلته القصيرة والشاقة فوق هذه البسيطة.

برصاصة قناص من جيش الاحتلال "الإسرائيلي"، يتمركز فوق دبابة أمريكية، أُطلق النار بشكل مباشر ومتعمد، دون أي اكتراث بمن وكم ستقتل هذه الرصاصات من المدنيين العزل، الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، بفعل حرب الإبادة الجماعية التي قضت على كل مقومات الحياة، قُتل صباح اليوم الطفل “معتصم”.

قُتل بدمٍ بارد

وفي مشرحة مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، وقف النازح أحمد الشرافي، والد الطفل الشهيد “معتصم”، بملابسه وجسده المبللين بدماء نجله، يبكي بحرقة على استشهاده، قائلًا: “قناص من جيش الاحتلال أطلق رصاصة مباشرة أصابت طفلي في رقبته، وعندما تقدمت لإنقاذه أطلق الجنود النار علي، لكنني واصلت الركض دون خوف أو تراجع، لأجده غارقًا بدمه، فحملته بين يدي وأسرعت به إلى المستشفى، حيث أُعلن استشهاده”.

وتساءل الشرافي عن دور الدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار، في ظل الخروقات "الإسرائيلية" المتواصلة التي أودت بحياة طفله ومئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، داعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف تغول الاحتلال، وإنقاذ المدنيين من آلة القتل المستمرة بلا رادع.

ولم يكن الطفل معتصم الشرافي الأول الذي ترتقيه رصاصات الاحتلال، إذ لم تتوقف عمليات القتل والاستهداف حتى بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

وفي الآونة الأخيرة، صعدت قوات الاحتلال "الإسرائيلي" من عمليات إطلاق النار المباشر والعشوائي صوب خيام النازحين ومراكز الإيواء في مناطق متفرقة من قطاع غزة، ما أدى إلى ارتقاء عدد من المواطنين وإصابة آخرين.

وصل إلى خيامهم

ويقول المواطن خالد أبو عاذرة إن “الرصاص العشوائي الذي أطلقه جنود الاحتلال طال ابنة عمي الطفلة رفيف، وأصاب شقيقتها رهف ببتر في ساقها، أثناء وجودهما داخل خيمة نزوحهما في منطقة بير 19”.

ويضيف: “رغم بُعدنا نسبيًا عن ما يسمى الخط الأصفر، إلا أننا نعيش حالة ذعر دائمة، وكأن الحرب لم تتوقف، بسبب وصول الرصاص الطائش من قوات الاحتلال، التي تنشط في إطلاق النار من ساعات المساء وحتى ساعات الصباح الباكر”.

وبات النازحون، الذين فروا من القصف المباشر إلى ما ظنوه مناطق أقل خطرًا، مهددين بالموت في أي لحظة، جراء رصاصة عشوائية قد تخترق خيمة، أو جدارًا متصدعًا، أو جسد مسن عاجز، أو رأس طفل، أو امرأة تجلس على موقد نار تُعد الطعام لأطفالها.

يثير القلق والذعر

ويؤكد إطلاق قوات الاحتلال للرصاص العشوائي حالة الخوف والرعب المستمرين في صفوف النازحين، الذين لم يجدوا مكانًا آمنًا يلجؤون إليه، حفاظًا على حياتهم وحياة أطفالهم، وفق ما أفاد به النازح محمد عابد من منطقة الحي النمساوي غرب خان يونس.

ويستطرد عابد قائلًا: “الرصاص العشوائي يصل بشكل مباشر إلى خيامنا، وقد أدى إلى إصابات متعددة في صفوف المدنيين”.

وتابع: “بعد ارتقاء نازح من عائلة نعيم وإصابة آخرين، منعتُ أطفالي من الخروج واللعب، فنحن نعيش في ساحة مفتوحة، والرصاص الذي يطلقه الاحتلال لا يتوقف”.

وأشار عابد إلى أنه نزح مع عائلته من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، بحثًا عن الأمان المزعوم، إلا أنهم لم يجدوه حتى بعد الإعلان عن وقف حرب الإبادة الجماعية.

أرقام متصاعدة

ورصد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة نحو 1300 خرق "إسرائيلي" لاتفاق وقف إطلاق النار، منذ دخوله حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 وحتى اليوم (100 يوم)، في انتهاك فاضح للقانون الدولي الإنساني، وتقويض متعمد لجوهر الاتفاق وبنود البروتوكول الإنساني الملحق به.

وتوزعت الخروقات على: 433 حالة إطلاق نار، 66 توغلًا للآليات العسكرية داخل المناطق السكنية، 605 عمليات قصف واستهداف، 200 عملية نسف لمنازل ومبانٍ.

وأسفرت هذه الخروقات عن 488 شهيدًا، بينهم 254 من الأطفال والنساء والمسنين (52%)، فيما بلغ عدد الشهداء المدنيين 444 شهيدًا (92%).

كما استُهدف 465 شهيدًا داخل الأحياء السكنية وبعيدًا عن “الخط الأصفر”.

وبلغ عدد المصابين 1290 مصابًا، غالبيتهم من المدنيين، بينهم 755 طفلًا وامرأة ومسنًا، وجميعهم أُصيبوا داخل مناطق سكنية بعيدة عن مناطق التماس.

انتهاك صارخ

ويُعد هذا القتل جريمة مكتملة الأركان وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر استهداف المدنيين، ويمنح الأطفال حماية خاصة في النزاعات المسلحة، ويصنف أي اعتداء عليهم كجريمة حرب.

وتؤكد هذه الجرائم استمرار التهديد اليومي لحياة المدنيين في قطاع غزة، وتكشف هشاشة منظومة الحماية الدولية، في ظل عجز المجتمع الدولي عن محاسبة الاحتلال على جرائمه، رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

 

حطب الفقراء ورصاص القناصة: جريمة جديدة بحق طفولة غزة

الأربعاء 21 / يناير / 2026

كنعان - محمد الجبور

لم يدر بخلد الطفل معتصم أحمد الشرافي، ثلاثة عشر ربيعًا، أن خروجه مع إشراقة ساعات الصباح الباكر، اليوم الأربعاء، لجمع حزمة من الحطب قرب المناطق المصنفة بـ“الصفراء”، لمساعدة والدته على طهي وجبة من الطعام لأشقائه الصغار، سيكون نهاية رحلته القصيرة والشاقة فوق هذه البسيطة.

برصاصة قناص من جيش الاحتلال "الإسرائيلي"، يتمركز فوق دبابة أمريكية، أُطلق النار بشكل مباشر ومتعمد، دون أي اكتراث بمن وكم ستقتل هذه الرصاصات من المدنيين العزل، الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، بفعل حرب الإبادة الجماعية التي قضت على كل مقومات الحياة، قُتل صباح اليوم الطفل “معتصم”.

قُتل بدمٍ بارد

وفي مشرحة مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، وقف النازح أحمد الشرافي، والد الطفل الشهيد “معتصم”، بملابسه وجسده المبللين بدماء نجله، يبكي بحرقة على استشهاده، قائلًا: “قناص من جيش الاحتلال أطلق رصاصة مباشرة أصابت طفلي في رقبته، وعندما تقدمت لإنقاذه أطلق الجنود النار علي، لكنني واصلت الركض دون خوف أو تراجع، لأجده غارقًا بدمه، فحملته بين يدي وأسرعت به إلى المستشفى، حيث أُعلن استشهاده”.

وتساءل الشرافي عن دور الدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار، في ظل الخروقات "الإسرائيلية" المتواصلة التي أودت بحياة طفله ومئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، داعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف تغول الاحتلال، وإنقاذ المدنيين من آلة القتل المستمرة بلا رادع.

ولم يكن الطفل معتصم الشرافي الأول الذي ترتقيه رصاصات الاحتلال، إذ لم تتوقف عمليات القتل والاستهداف حتى بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

وفي الآونة الأخيرة، صعدت قوات الاحتلال "الإسرائيلي" من عمليات إطلاق النار المباشر والعشوائي صوب خيام النازحين ومراكز الإيواء في مناطق متفرقة من قطاع غزة، ما أدى إلى ارتقاء عدد من المواطنين وإصابة آخرين.

وصل إلى خيامهم

ويقول المواطن خالد أبو عاذرة إن “الرصاص العشوائي الذي أطلقه جنود الاحتلال طال ابنة عمي الطفلة رفيف، وأصاب شقيقتها رهف ببتر في ساقها، أثناء وجودهما داخل خيمة نزوحهما في منطقة بير 19”.

ويضيف: “رغم بُعدنا نسبيًا عن ما يسمى الخط الأصفر، إلا أننا نعيش حالة ذعر دائمة، وكأن الحرب لم تتوقف، بسبب وصول الرصاص الطائش من قوات الاحتلال، التي تنشط في إطلاق النار من ساعات المساء وحتى ساعات الصباح الباكر”.

وبات النازحون، الذين فروا من القصف المباشر إلى ما ظنوه مناطق أقل خطرًا، مهددين بالموت في أي لحظة، جراء رصاصة عشوائية قد تخترق خيمة، أو جدارًا متصدعًا، أو جسد مسن عاجز، أو رأس طفل، أو امرأة تجلس على موقد نار تُعد الطعام لأطفالها.

يثير القلق والذعر

ويؤكد إطلاق قوات الاحتلال للرصاص العشوائي حالة الخوف والرعب المستمرين في صفوف النازحين، الذين لم يجدوا مكانًا آمنًا يلجؤون إليه، حفاظًا على حياتهم وحياة أطفالهم، وفق ما أفاد به النازح محمد عابد من منطقة الحي النمساوي غرب خان يونس.

ويستطرد عابد قائلًا: “الرصاص العشوائي يصل بشكل مباشر إلى خيامنا، وقد أدى إلى إصابات متعددة في صفوف المدنيين”.

وتابع: “بعد ارتقاء نازح من عائلة نعيم وإصابة آخرين، منعتُ أطفالي من الخروج واللعب، فنحن نعيش في ساحة مفتوحة، والرصاص الذي يطلقه الاحتلال لا يتوقف”.

وأشار عابد إلى أنه نزح مع عائلته من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، بحثًا عن الأمان المزعوم، إلا أنهم لم يجدوه حتى بعد الإعلان عن وقف حرب الإبادة الجماعية.

أرقام متصاعدة

ورصد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة نحو 1300 خرق "إسرائيلي" لاتفاق وقف إطلاق النار، منذ دخوله حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 وحتى اليوم (100 يوم)، في انتهاك فاضح للقانون الدولي الإنساني، وتقويض متعمد لجوهر الاتفاق وبنود البروتوكول الإنساني الملحق به.

وتوزعت الخروقات على: 433 حالة إطلاق نار، 66 توغلًا للآليات العسكرية داخل المناطق السكنية، 605 عمليات قصف واستهداف، 200 عملية نسف لمنازل ومبانٍ.

وأسفرت هذه الخروقات عن 488 شهيدًا، بينهم 254 من الأطفال والنساء والمسنين (52%)، فيما بلغ عدد الشهداء المدنيين 444 شهيدًا (92%).

كما استُهدف 465 شهيدًا داخل الأحياء السكنية وبعيدًا عن “الخط الأصفر”.

وبلغ عدد المصابين 1290 مصابًا، غالبيتهم من المدنيين، بينهم 755 طفلًا وامرأة ومسنًا، وجميعهم أُصيبوا داخل مناطق سكنية بعيدة عن مناطق التماس.

انتهاك صارخ

ويُعد هذا القتل جريمة مكتملة الأركان وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر استهداف المدنيين، ويمنح الأطفال حماية خاصة في النزاعات المسلحة، ويصنف أي اعتداء عليهم كجريمة حرب.

وتؤكد هذه الجرائم استمرار التهديد اليومي لحياة المدنيين في قطاع غزة، وتكشف هشاشة منظومة الحماية الدولية، في ظل عجز المجتمع الدولي عن محاسبة الاحتلال على جرائمه، رغم اتفاق وقف إطلاق النار.