كنعان_ خاص
ما أشبه اليوم بالبارحة فقبل نحو 39 عاماً كانت مقاومة الاحتلال شبه مستحيلة، بسبب التغول "الإسرائيلي" في كافة شرايين الحياة في فلسطين المحتلة، فجنوده ومستوطنيه يعيثون في الأرض فساداً دون أي رادع أو وجل، حتى جاءت معركة الشجاعية في السادس من أكتوبر 1987، لتكون الشرارة الأولى في تدشين أعظم انتفاضة عرفها التاريخ، "انتفاضة الحجارة"، التي أحدثت تحولاً استراتيجياً في مسار الصراع مع الاحتلال "الإسرائيلي"، كونها جعلت كل مكونات الوطن شعلة مقاومة في مواجهة المحتل، مما جعل بقاءه في قطاع غزة والضفة مستحيلاً.
ولم تكن الملحمة التي خاضها أبطال الجهاد الإسلامي الخمسة (زهدي حامد قريقع، وسامي الشيخ خليل، ومصباح الصوري، وأحمد حلس، ومحمد سعيد الجمل)، مجرد مواجهة عابرة، بل مثلت تدشيناً لمرحلة جديدة من العمل العسكري المنظم، واعتُبرت المحرك والمحفز الأساسي لاندلاع انتفاضة الحجارة (الانتفاضة الأولى)، التي امتدت لسبع سنوات متواصلة.
القصة كاملة
تسعة وثلاثون عاماً مرت على ذلك المشهد التاريخي الفذ، الذي لا يزال ينبض بالحياة مع كل فجر جديد، ولا تزال بطولاتهم حديث الكبار للصغار، عن رجال صنعوا بطولات كانت أشبه بميلاد جيل جديد من الاستشهاديين الذين عشقوا الشهادة والجهاد وفلسطين.
وتعود قصة المجاهدين الستة إلى تاريخ الـ17 من مايو (أيار) 1987، ليلة الهرب من سجن "السرايا" في غزة إبان حقبة الاحتلال "الإسرائيلي"، ليقودوا سلسلة عمليات كبرى، منها قتل المستوطن الصهيوني «جليل غروسين»، وقبله قائد الشرطة العسكرية في لواء غزة، النقيب «رون طال»، لتتسارع وتيرة العمل العسكري من ناحية، والحصار "الإسرائيلي" من ناحية أخرى، وتحولت مجموعة الشهيد مصباح الصوري ومحمد الجمل وإخوانهم الآخرين إلى مصدر إزعاج رئيسي للاحتلال، ومثال يُحتذى لدى الشبان الفلسطينيين، حتى اشتبكت المجموعة المجاهدة في السادس عشر من أكتوبر/تشرين الأول من العام 1987 مع دورية صهيونية لعدة ساعات، أسفر عن استشهاد المجاهدين ومقتل ضابط الاستخبارات الصهيونية «فيكتور أرجوان» وجرح العديد.
تفاصيل العملية
في تفاصيل العملية، تقدمت المجموعة بسيارة باتجاه شمال القطاع، وتدعي صحيفة "معاريف" العبرية أن أحد الجنود نقل أنه: "عند الساعة التاسعة مساءً رأيت سلاحاً في يد شاب بجانب سائق سيارة بيجو 504 فيها ثلاثة ركاب أثاروا الشك لدى قوات الأمن، تم الطلب منهم التوقف ولم يستجيبوا، فقامت القوات بمطاردتهم، وهربت السيارة في الشوارع الفرعية بالشجاعية، وصولاً إلى الشارع الرئيسي المؤدي إلى حاجز نحال عوز، وقبل الحاجز بـ300 متر كان هناك حاجز للجيش وحرس الحدود ورجال الأمن، الذين تعرضوا لإطلاق النار من ركاب السيارة لحظة اقترابهم منها لفحصها، فأصيب رجل الشاباك فيكتور أرجوان بصدره، فجثا على ركبتيه ميتاً".
استمرت المجموعة بالاشتباك من مسافة صفر مع جنود الاحتلال، إلى أن استقدم الجيش التعزيزات من وحدات وطائرات، وأدت المعركة إلى ارتقائهم جميعاً شهداء. وقد زعمت "معاريف" أن الجيش عثر خلال التفتيش في أغراضهم على مواد قتالية مختلفة.
أهمية هذه العملية
تكمن أهمية هذه العملية، ربما ليس في الإمكانات العسكرية للمجموعة، بل في إخراج مشهد جديد أمام الاحتلال، تمثل بالصدام الأمني والمسلح، وإحياء العمل العسكري ضد الاحتلال، وسط فترة من خيبة الأمل الفلسطينية في الواقع العربي الرسمي في تلك الأيام.
كما أنها شكلت إحدى الأسباب الرئيسية التي أدت إلى اندلاع انتفاضة الحجارة، على الرغم من أن شرارة انطلاقة انتفاضة الحجارة عام 1987 كانت نتيجة دهس جيش الاحتلال لأربعة فلسطينيين في جباليا، شمالي قطاع غزة، وعلى الرغم من أن تاريخ انطلاقتها الرسمي هو في التاسع من كانون الأول/ديسمبر عام 1987، إلا أن مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، شرح أن "كل مراقب يفهم الساحة الفلسطينية جيداً ويتابعها جيداً يدرك أنها بدأت في السادس من تشرين الأول/أكتوبر 1987، أي قبل شهرين من هذا التاريخ الرسمي".
وأبدت الصحافة العبرية ("معاريف") عقب المعركة تخوفاً شديداً من اتساع رقعة المواجهات، وهو ما تحقق بالفعل؛ إذ أشعل استشهاد كوادر خلية الجهاد الإسلامي (الذين ينتمون إلى حي الشجاعية ومدينة رفح) موجة عارمة من غضب الشارع الفلسطيني والتظاهرات في كافة أنحاء قطاع غزة والضفة الغربية، وصولاً إلى اندلاع انتفاضة الحجارة الشاملة عام 1987، والتي أسست لبناء الهياكل والخلايا العسكرية للفصائل الفلسطينية.
البداية التي لم تنتهِ إرهاصاتها بعد
المحلل السياسي محمد سليمان بدوره، أكد أن معركة الشجاعية أسست لمرحلة جديدة في صراع الحق الفلسطيني ضد الغاصب المحتل "الإسرائيلي"، مما يجعلها النواة الأولى لانتفاضة الحجارة الجماهيرية عام 1987م، التي استمرت 7 سنوات، ولم تنتهِ إلا بتوقيع اتفاق "أوسلو" المذل، مبيناً أن معركة الشجاعية كانت المحطة الأولى للعمل العسكري الإسلامي ضد الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة، وتشكيل العمل الإسلامي المقاوم ضد المحتل بصورة أكثر تنظيماً وإيلاماً وتأثيراً على صانع القرار الصهيوني.
وقال سليمان: "في الذكرى التاسعة والثلاثين لارتقاء تلك الكوكبة التي كانت الفتيل الذي أشعل انتفاضة الحجارة المباركة، وجعلت الكل الفلسطيني شريكاً في تحرير أرضه من محتل ظن واهماً أن فلسطين، كل فلسطين، دانت له، وأنه بقوته وجبروته يستطيع أن يسكت صاحب الحق عن المطالبة بحقه".
أسست لمرحلة جديدة
نبّه سليمان إلى أهمية معركة الشجاعية في إعادة القضية الفلسطينية إلى مكانتها الحقيقية بين جماهير الأمتين العربية والإسلامية، التواقة لخيار الجهاد والمقاومة ضد الاحتلال "الإسرائيلي"، منوهاً إلى أن المعركة جاءت بعد إعداد طويل واستراتيجية جديدة قامت بها حركة الجهاد الإسلامي على تفعيل دور الجماهير المغيبة في ذلك الوقت، عبر تنظيم المهرجانات الخطابية والندوات الدينية والفكرية في المساجد، والصلاة في العراء، لحشد أكبر قدر ممكن من أبناء شعبنا.
وأشاد بثبات وبسالة أهل حي الشجاعية الذين كانوا ولا زالوا حتى يومنا هذا ميداناً للقتال ولمقارعة الاحتلال، كما شمال غزة وخان يونس ورفح وجنين.