كنعان - سائد الأخرس
في مدينة أنهكتها الحرب وتوقفت فيها أصوات القصف جزئياً، لا يزال للفجر في خانيونس جنوب قطاع غزة صوتٌ خاص، بين أبنية مدمرة وخيام لم تُفكك بعد، يعلو نداء المسحراتي كإشارة يومية إلى أن الحياة هنا لا تنكسر بسهولة، وأن رمضان رغم كل ما يحيط به، ما زال يجد طريقه إلى القلوب.
في مقدمة هذا المشهد يقف الشاب أحمد مصران، الذي ارتبط صوته بالإنشاد منذ طفولته، كان يجوب أزقة الحي صغيرًا، يردد الأناشيد بين البيوت، قبل أن تنضج موهبته ويشتد صوته مع مرور السنوات، ومع تقدمه في العمر انضم إلى فرق المديح النبوي برفقة إخوته، ليصبح إحياء ليالي رمضان وإيقاظ الناس للسحور تقليدًا يحملونه بمحبة ومسؤولية.

يعيش أحمد وأهالي خانيونس أول رمضان بعد توقف الحرب، فيما لا تزال آثارها تثقل يومياتهم، في العام الأول غابت مظاهر التسحير بالكامل تحت وطأة التصعيد، ثم عاد هو ورفاقه إلى الشوارع في العامين التاليين رغم المخاطر، يروي أن منطقتهم تعرضت للقصف خلال إحدى جولاتهم العام الماضي بينما كانوا يوقظون الناس للسحور، مؤكدًا أن خروجهم ليس مجازفةً بقدر ما هو محاولةٌ لحماية ما تبقى من روح الشهر.
قبل الحرب كانت الشوارع تتزين بالأضواء، وتتعالى ضحكات الأطفال في الأزقة، وتُفتح الأبواب على كلمات الترحيب والدعاء، اليوم تغير المشهد؛ أحياء تحاول لملمة جراحها ووجوه ما زال الحزن يترك ظله عليها، لكن ذلك – كما يؤكد أحمد – لم يمنعهم من الاستمرار: “نخرج لنخفف عن الناس شيئًا من ثقل الأيام”، معتبرًا أن دقائق الفجر قد تمنح ما تعجز عنه ساعات طويلة من الصمت.
الفقد لم يكن بعيدًا عن حياته، فقد أحمد مصران ستة عشر شهيدًا من أفراد عائلته بينهم شقيقان، أحدهما كان يشاركه الإنشاد في فرقة المديح، كان يتمنى أن يقف إلى جواره هذا العام يردد معه الأناشيد في ليالي رمضان، لكن الغياب تحول إلى دافع للاستمرار: "نحاول أن نكمل الطريق وأن نبقي أثرهم حاضرًا في كل ليلة نخرج فيها".
إلى جانبه يواصل إبراهيم عماد عبد الله، مسحراتي في فرقة الأصيل للمديح النبوي، مهمته التي بدأها عام 2021، يجوب الأحياء قبيل الفجر لإيقاظ الناس للسحور، ويؤكد أن الاستمرار هذا العام يحمل معنى خاصًا.

يستذكر أحد رمضانات الحرب حين لم يعش الناس سوى أيام قليلة من الهدوء قبل أن تتجدد المواجهات: "ففقد الشهر روحه"، على حد تعبيره.
هذا العام، يطمح إبراهيم ورفاقه إلى استعادة شيء من أجواء رمضان التي يعرفها الغزيون؛ أن يخرج الأطفال لتحيتهم وأن تمتلئ الأزقة بالحركة ولو لساعات الفجر، وأن يشعر الناس بأن للحياة مساحة مهما ضاقت، بالنسبة لإبراهيم يكفي أن يرى ابتسامة عابرة على وجه طفل أو دعاء أم تفتح نافذتها على وقع الطبلة، ليشعر بأن ما يفعلونه يستحق العناء.
لا يبحث الشابان عن شهرة أو حضور إعلامي، بل عن أثر بسيط يخفف عن الناس وطأة الجوع والخسارة، الأطفال الذين يخرجون لتحيتهم يمنحونهم طاقة للاستمرار، ويعيدون إلى المكان شيئًا من دفء الشهر.
بين الدفوف والأناشيد يصنع أحمد وإبراهيم فسحة أمل في واقع مثقل بالجراح لا يزال يتعافى ببطء من نيران الإبادة، يتحول صوتهما في كل ليلة إلى رسالة صامتة تقول إن رمضان في غزة ليس طقسًا عابرًا، بل مساحة يتجدد فيها الإصرار على البقاء مهما اشتدت الظروف وأن معركة ترميم الروح مستمرة مهما ثقلت التبعات.