بقلم: أحمد عبد الرحمن
ما بين سيفٍ سُلَّ قبل عام وآخر ما زال في غمده بانتظار ساحة الحسم، هل نعيش إرهاصات حرب قادمة تترك تداعيات عميقة على عموم المنطقة؟
قد يبدو البعض غارقاً في التفاؤل عندما ينظر إلى ما يجري الآن في فلسطين المحتلة على أنه انتصار للشعب ورأس حربته المقاومة في مواجهة العدو الإسرائيلي المتمترس خلف قوته العسكرية الهائلة. وقد يبدو البعض الآخر مفرطاً في التشاؤم عندما يرى الأمور بشكل معاكس، ويعتقد أنَّ العدو سجّل نقاطاً في المرمى الفلسطيني، من خلال التقسيم الزماني للمسجد الأقصى، وما نتج منه من اقتحامات ممنهجة، وبأعداد كبيرة، من غلاة المستوطنين!
ليس بعيداً عن التفاؤل والتشاؤم واختلاف وجهات النظر حول هذا الموضوع المعقّد والحساس، يمكن النظر إلى مجمل التطورات السياسية والميدانية في الأيام الأخيرة من زاويتين؛ الأولى تقول إنَّ كل المؤشرات والقراءات تشير إلى أنَّ الأراضي المحتلة، وربما الإقليم، ذاهبة باتجاه حرب طاحنة وقاسية تفوق في تفاصيلها وتداعياتها أي معركة سابقة.
وتذهب الزاوية الثانية باتجاه أنَّ النتائج المترتّبة على تلويح المقاومة الفلسطينية بعملية "سيف القدس 2"، وإظهار جزء بسيط من إمكانياتها، حققا الهدف وردع العدو، وأفشلا خطط مستوطنيه، من دون سلّ السيف أو استخدامه على غرار ما حصل في أيّار/مايو من السنة الماضية.
ولتقديم إحدى وجهتي النظر على الأخرى، يجب أن نقرأ الأسباب والنتائج بشكل هادئ وعميق، بعيداً عن العاطفة والانتماء، حتى تكون القراءة سليمة والرؤية واضحة؛ ففي الأيام الأولى من أيار/مايو من العام الماضي، بدأت تلوح في الأفق ملامح مواجهة عسكرية وسياسية بين الشعب الفلسطيني بكل مكوناته من جهة، والعدو الإسرائيلي من جهة أخرى.
وكان السّبب المباشر لتلك المواجهة المرتقبة هو "مسيرة الأعلام" التي كان المستوطنون الصهاينة يرغبون في تنظيمها في مدينة القدس المحتلة بمناسبة توحيدها، بحسب ادعائهم، إضافةً إلى أسباب أخرى، مثل مصادرة بيوت حي الشيخ جراح والتضييق على المصلين والحدّ من حركتهم في تأدية شعائرهم الدينية.
في تلك الفترة، حذّرت المقاومة الفلسطينية العدو، سواء بشكل مباشر أو من خلال الوسطاء، من أن المضي قدماً في تلك الخطوات الاستفزازية والعدوانية سيدفع الأمور إلى حافة الهاوية، وأنها لن تتوانى عن استخدام كل ما في جعبتها من أجل الدفاع عن شعبها والحفاظ على مقدساتها، مهما كانت التداعيات.
وحتى لا نعود إلى استعراض كل تلك الأحداث الساخنة من جديد، والتي شهدها العالم بالصوت والصورة، نكتفي بالإشارة إلى أنَّ تلك المواجهة التي استمرت 11 يوماً أحدثت تغيراً نوعياً في نظرة العدو إلى إمكانيات المقاومة وطريقة عملها.
وقد ترسّخ لديه شعور بالردع، نتيجة انهيار جبهته الداخلية أمام ضربات المقاومة، والخسائر الكبيرة التي مني بها، والتي أثّرت بشكل لا يقبل الترميم في صورته وسمعته بأنه شرطي المنطقة، وأن كل من يخرج عن طوع أمره هالك لا محالة.
وظهر جلياً في تلك المواجهة أيضاً معطى مهم وحسّاس، هو أن ساحات العمل الكفاحي لم تقتصر على قطاع غزة أو الضفة الغربية، بل إنَّ الداخل الفلسطيني المحتل أصبح أداة ضغط حقيقية على المحتل، وشكّل مفاجأة غير سارّة لأجهزة الأمن الصهيونية التي كانت تعتقد أنَّ سنوات التغريب وإغراق المدن والبلدات بالسلاح والمخدرات سيجعلها بعيدة عن القضايا الوطنية للوطن الأم فلسطين.
اليوم، يعيد التاريخ نفسه بطريقةٍ أو بأخرى، فالأسباب متشابهة إلى حدٍّ كبير، ما لم تكن متطابقة، والصعوبات والمآسي التي تواجه الشعب الفلسطيني في جميع المدن والقرى على امتداد جغرافيا الوطن تزداد يوماً بعد يوم، ولا يكاد يمر صباح أو مساء من دون أن يسقط شهداء وجرحى، ويرتفع عدّاد الأسرى، وتزيد مساحة الاستيطان، ويضيق مسار الأفق السياسي أكثر فأكثر.
هذه الأسباب الّتي أصبحت تشكّل السمة الأبرز للمشهد الفلسطيني الحالي بدأت تأخذ الأمور باتجاه التّصعيد المتدحرج والمدروس بعناية من قبل قوى المقاومة الفلسطينية، وأصبحت الكفّة تميل بقوة باتجاه تفجّر مواجهة جديدة على غرار معركة "سيف القدس" في العام الماضي؛ فمن مواجهات محدودة داخل مدينة القدس المحتلة ومسجدها الأقصى، وتهديدات وتحذيرات تطلقها المقاومة الفلسطينيّة من مغبة استمرار اقتحامات المستوطنين واعتداءات جنود الاحتلال، مروراً بحملة من الاستنكارات والمناشدات المعتادة من بعض الدول والمؤسّسات الدوليّة، بدأت الأمور تأخذ منعطفاً حاداً باتجاه التّصعيد العسكريّ على الأرض.
صحيح أنَّ ما حدث حتى الساعة لا يعدو كونه رسائل تحذير بالنار من خلال إطلاق صواريخ قصيرة المدى على مستوطنات غلاف غزة، أو استهداف طائرات العدو المغيرة بصاروخ أرض – جو، وصحيح أيضاً أنَّ مدن الضفة والداخل المحتل ما زالت هادئة وبعيدة نسبياً عن مجمل الأحداث، ولكن هذا الأمر يمكن أن ينقلب بشكل دراماتيكي لا يخطر على بال أحد.
هنا، يجب أن ننظر إلى النتائج المرحلية حتى وقتنا هذا، ونقرأ بعناية ردود فعل العدو على تلك الأحداث، رغم أنها ما زالت في طور التبلور، فهل نجحت تحركات المقاومة على محدوديتها حتى الآن في دفع العدو إلى التراجع وعدم التصعيد بالفعل، أو أنه لم يقرأ الرسالة بشكل جيد، وما زال يواصل سياسة العربدة والعدوان، كما عادته؟
في نظرة سريعة، يمكن أن نلحظ أن المشهد ما زال ملتبساً، ويحيطه كثير من الغموض. من ناحية، نرى اقتحامات يومية، وبأعداد كبيرة، لساحات المسجد الأقصى المبارك وباحاته، واعتداءات على المرابطين فيه. ومن ناحية أخرى، هناك فشل واضح في تمرير خطة المتطرفين الصهاينة بتنظيم مسيرة الأعلام من قلب الحي الإسلامي في مدينة القدس.
هذا الأمر يظهر بما لا يدع مجالاً للشك أنَّ هناك خوفاً كبيراً لدى حكومة بينيت - لبيد من انفلات الأمور واشتعال الجبهات، بما يدفع باتجاه سقوط حكومتهم المتداعية أصلاً بسبب تناقضاتها الداخلية وضغوطات نتنياهو المتأهّب للعودة إلى سدة الحكم من جديد.
إذاً، نحن أمام سؤال لم تتم الإجابة عليه بشكل نهائي وحاسم: هل نحن أمام تفاصيل صغيرة ومتناثرة قد تؤدّي إلى تشكّل كتلة من الجليد تكبر وتكبر، ويمكن أن تذهب بالمنطقة والإقليم إلى مواجهة من العيار الثقيل، أو أنَّ خشية العدو من تلك المواجهة قد تجعله يتراجع ويختار أخفّ الضررين، وبذلك تكون المقاومة حققت أهدافها أو جزءاً منها من دون الحاجة إلى سلّ سيفها من جديد!
الأيام القادمة كفيلة بالإجابة على هذا السؤال، والقدس بما تمتلك من مكانة عظيمة في قلوب أبناء الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية، مرشّحة إلى أن تكون صاعق التفجير الأكثر قابلية للاشتعال.
عود على بدء، نقول: ما بين سيفٍ سُلَّ قبل عام وآخر ما زال في غمده بانتظار ساحة الحسم، هل نعيش إرهاصات حرب قادمة تترك تداعيات عميقة على عموم المنطقة أو أننا سنرى نتائج قريبة لحالة من الردع باتت إحدى سمات كيان الاحتلال في السنوات الأخيرة؟
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي وكالة كنعان الإخبارية.