كنعان – خاص
في ذكرى اغتيال المعلم الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، تعود سيرة الرجل الذي سعى إلى إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة اهتمامات الحركة الإسلامية، وربط بين الهوية الإسلامية والخصوصية الوطنية الفلسطينية، في مرحلة شهدت تحولات كبرى في الفكر السياسي الفلسطيني ومسارات الصراع مع الاحتلال.
وتأتي الذكرى هذا العام في ظل التداعيات العميقة التي خلفتها معركة «طوفان الأقصى»، وما رافقها من حرب إبادة ودمار واسع في قطاع غزة، وامتداد المواجهات إلى ساحات إقليمية متعددة، إلى جانب اتساع الحراك الشعبي الدولي المناصر لفلسطين، وتصاعد الانتقادات الموجهة إلى سياسات الاحتلال. وفي هذا المشهد تستعيد الأوساط الفلسطينية تجربة الشقاقي بوصفها محطة مفصلية في تاريخ الحركة الإسلامية الفلسطينية وتطور خطابها تجاه القضية الوطنية.
لم يكن فتحي الشقاقي مجرد قائد سياسي أو مؤسس لحركة فلسطينية، بل كان صاحب مشروع فكري سعى من خلاله إلى تجاوز الفجوة التي رأى أنها تفصل بين الحركة الإسلامية والقضية الفلسطينية، واضعًا فلسطين في مركز الاهتمام السياسي والفكري، ومعتبرًا أن مواجهة الاحتلال لا تنفصل عن تحرير الإرادة الفلسطينية واستعادة الحقوق الوطنية.
من الناصرية إلى المشروع الإسلامي الفلسطيني
وُلد فتحي إبراهيم عبد العزيز محمد الشقاقي في الرابع من يناير/كانون الثاني عام 1951، في مخيم رفح للاجئين بقطاع غزة، لأسرة فلسطينية هُجّرت من قرية زرنوقة قرب يافا إبان نكبة عام 1948، ونشأ في بيئة متواضعة، وتلقى تعليمه في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، قبل أن ينتقل إلى دراسة الرياضيات في جامعة بيرزيت، ثم يتجه إلى دراسة الطب في جامعة الزقازيق المصرية عام 1974.
في سنواته الأولى، تأثر الشقاقي بالفكر الناصري غير أن هزيمة عام 1967 شكلت منعطفًا في مساره الفكري، ودفعته إلى إعادة النظر في رؤيته السياسية والاقتراب من التيار الإسلامي، ومع انتقاله إلى مصر اتسعت دائرة اهتماماته الفكرية والسياسية، وأخذت تتبلور لديه قناعة بضرورة صياغة مشروع إسلامي يجعل فلسطين محورًا أساسيًا في أولوياته.
وشكلت الثورة الإيرانية عام 1979 محطة بارزة في تطور أفكاره وألف كتابه «الخميني: الحل الإسلامي والبديل»، الذي أثار اهتمام السلطات المصرية وأدى إلى اعتقاله، وفي تلك المرحلة بدأ الشقاقي ومجموعة من رفاقه الفلسطينيين العمل على بلورة إطار تنظيمي يربط بين الفكر الإسلامي والنضال الوطني الفلسطيني.
ومن رحم تلك النقاشات والتجارب تبلورت النواة التي انطلقت منها حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، لتطرح تصوراً يضع القضية الفلسطينية في قلب المشروع الإسلامي المعاصر، ويمنح المواجهة مع الاحتلال أولوية في العمل السياسي والتنظيمي.
الاعتقال والإبعاد.. محطات في مسيرة المواجهة
غادر الشقاقي مصر سراً وعاد إلى فلسطين في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني عام 1981، بعد تعرضه للملاحقة بسبب نشاطه السياسي والفكري، وعمل طبيباً في القدس قبل أن ينتقل إلى قطاع غزة، حيث واصل نشاطه السياسي والتنظيمي.
وفي عام 1983 اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي لمدة أحد عشر شهراً ثم أعادت اعتقاله عام 1986، وحكمت عليه بالسجن الفعلي أربع سنوات إضافة إلى خمس سنوات مع وقف التنفيذ، على خلفية نشاطه السياسي والتنظيمي.
وخلال تلك المرحلة تداخلت تجربته المهنية بوصفه طبيباً مع حضوره السياسي والفكري، فيما شكل الاعتقال محطة إضافية في مسار قيادة الحركة وبناء هويتها التنظيمية.
ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، أبعدته سلطات الاحتلال من السجن إلى لبنان في الأول من أغسطس/آب عام 1988، ومن هناك واصل نشاطه السياسي متنقلاً بين عدد من العواصم العربية قبل أن يستقر في دمشق التي أصبحت مركزاً رئيسياً لنشاط الحركة وقيادتها.
لم يكن الإبعاد نهاية مسيرته بل نقل نشاطه إلى مرحلة جديدة اتسع فيها حضوره السياسي والإعلامي وتواصلت خلالها محاولاته لتثبيت موقع القضية الفلسطينية في النقاشات العربية والإسلامية، وبناء علاقات مع القوى الفلسطينية التي تتبنى رفض التسوية مع الاحتلال.
مشروع فكري أعاد طرح سؤال فلسطين
تمثلت إحدى أبرز أفكار الشقاقي في ضرورة تجاوز حالة الانفصال بين الحركة الإسلامية والقضية الفلسطينية، فقد رأى أن فلسطين ليست قضية هامشية في الفكر الإسلامي، بل قضية مركزية تتصل بالتحرر الوطني ومواجهة الاحتلال واستعادة الحقوق الفلسطينية.
ومن هذا المنطلق سعى إلى بناء حركة تجمع بين العمل الفكري والسياسي والجماهيري، وتمنح القضية الفلسطينية حضورًا أساسيًا في خطابها وممارستها، ولم يقتصر مشروعه على تأسيس إطار تنظيمي بل شمل محاولة صياغة رؤية تربط بين الوعي السياسي والتنظيم والعمل الوطني.
وفي هذا السياق برز الشقاقي بوصفه أحد الوجوه التي ساهمت في إعادة تشكيل حضور التيار الإسلامي داخل المشهد الفلسطيني، من خلال طرحه الخاص للعلاقة بين الإسلام والتحرر الوطني، ودعوته إلى جعل فلسطين نقطة التقاء بين الهوية الفكرية ومتطلبات المواجهة السياسية.
كما سعى إلى توسيع مساحة التنسيق بين القوى الفلسطينية الرافضة لاتفاق أوسلو، وشارك في مسارات التقارب بين فصائل المعارضة الفلسطينية، في وقت كانت فيه القضية الفلسطينية تشهد انقسامًا حادًا بشأن مسار التسوية السياسية ومستقبل المشروع الوطني.
بين الفكرة والتضحية
ارتبط اسم الشقاقي بمقولات تناولت العلاقة بين الموقف السياسي والاستعداد لتحمل تبعاته، وأصبحت بعض عباراته حاضرة في الذاكرة التنظيمية لحركة الجهاد الإسلامي، وقد عكست تلك المقولات رؤيته التي تربط صدقية الموقف بثبات صاحبه عليه، في ظل ما واجهه من اعتقال وإبعاد وملاحقة.
وفي سيرته اجتمعت أدوار متعددة؛ فهو الطبيب الذي درس الطب وعمل في مهنته، والمثقف الذي انشغل بالقراءة والتنظير، والقائد الذي تولى مسؤوليات سياسية وتنظيمية، والأب الذي ترك وراءه ثلاثة أبناء: خولة وأسامة وإبراهيم.
وتكشف هذه الجوانب عن مسار لم يتشكل من خلال العمل التنظيمي وحده، بل تأثر أيضًا بتجربته الشخصية والتعليمية والاجتماعية، وبالتحولات التي شهدتها المنطقة منذ هزيمة عام 1967 وصولًا إلى الثورة الإيرانية والانتفاضة الفلسطينية الأولى.
وعلى الرغم من اختلاف القراءات السياسية لتجربته، فإن حضوره في تاريخ الحركة الإسلامية الفلسطينية يرتبط أساسًا بمحاولته نقل فلسطين من موقع القضية التي يجري تناولها ضمن الخطاب العام إلى موقع القضية المركزية في المشروع الفكري والتنظيمي الذي تبناه.
اغتيال في مالطا.. وغياب لم ينهِ الحضور
في السادس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول عام 1995، اغتيل الشقاقي في مدينة سليما بجزيرة مالطا، أثناء عودته إلى الفندق الذي كان يقيم فيه، في عملية نُسبت إلى جهاز الموساد الإسرائيلي، وكان في الرابعة والأربعين من عمره.
وجاء اغتياله في أعقاب تصاعد المواجهة بين الاحتلال وحركة الجهاد الإسلامي، وفي ظل توترات سياسية وأمنية أعقبت عملية بيت ليد المزدوجة في يناير/كانون الثاني من العام نفسه، التي أسفرت عن مقتل 22 "إسرائيليًا" وإصابة آخرين، وفقًا للمصادر التاريخية المتداولة.
ونُقل جثمانه إلى دمشق، حيث شُيع في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1995، ودُفن في مقبرة الشهداء بمخيم اليرموك، في جنازة شارك فيها فلسطينيون ومناصرون من اتجاهات سياسية متعددة.
برحيل الشقاقي خسرت الحركة التي أسسها أحد أبرز قادتها، لكن اغتياله لم يضع حدًا لحضور الأفكار التي ارتبطت بتجربته، أو للنقاش الذي أثاره حول موقع فلسطين في الفكر الإسلامي، وطبيعة العلاقة بين الهوية الوطنية والانتماء الفكري وحدود الخيارات السياسية المتاحة أمام الشعب الفلسطيني.
الشاهد الشهيد
بعد عقود على اغتياله تعود ذكرى فتحي الشقاقي لتفتح مجددًا أسئلة المشروع الفلسطيني، وطبيعة العلاقة بين الفكر والممارسة، وقدرة القيادات على تحويل الأفكار إلى مسارات سياسية وتنظيمية مؤثرة.
وفي ظل التحولات التي أعقبت «طوفان الأقصى»، تكتسب قراءة تجربته أهمية تتجاوز استعادة السيرة الشخصية؛ فهي تتيح الوقوف عند مرحلة مفصلية من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وفهم التحولات التي طرأت على علاقة التيارات الفكرية المختلفة بالقضية الفلسطينية، وما تركته تلك التحولات من آثار في مسار الصراع.
رحل الشقاقي في مالطا، لكن اسمه بقي حاضرًا في تاريخ حركة الجهاد الإسلامي، وفي الذاكرة السياسية الفلسطينية بوصفه أحد أبرز الوجوه التي سعت إلى جعل فلسطين مركزًا لمشروعها الفكري والتنظيمي. وبين شهادته السياسية واغتياله، بقيت سيرته جزءًا من تاريخ مرحلة لا تزال تداعياتها حاضرة في الواقع الفلسطيني.