كنعان _ الضفة المحتلة
تتصاعد وتيرة الاعتداءات الاستيطانية "الإسرائيلية" في بلدة نعلين الواقعة غربي مدينة رام الله، حيث تواصل جرافات المستوطنين عمليات تجريف واسعة النطاق استهدفت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية. وأفادت مصادر محلية بأن هذه التحركات تهدف إلى شق طرق استيطانية جديدة وربط البؤر القائمة ببعضها البعض، مما يهدد بعزل البلدة عن محيطها الطبيعي.
وشهدت الأيام القليلة الماضية تكثيفاً ملحوظاً في أعمال التجريف بمنطقة 'زبدة' الغربية، حيث أقدمت الآليات الثقيلة على اقتلاع عشرات أشجار الزيتون المعمرة. وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لمشروع شق طريق استيطاني يمتد على مساحة 70 دونماً، وهو ما يمثل ضربة قاسية للقطاع الزراعي الذي يعتمد عليه أهالي البلدة بشكل أساسي.
وأكد عماد الخواجا، رئيس بلدية نعلين أن ما يحدث ليس مجرد اعتداء عابر، بل هو جزء من مخطط استراتيجي بدأ منذ سنوات بالاستيلاء على 'جبل العالم'. وأوضح أن المسار الحالي للجرافات يمتد من المناطق الشمالية والغربية وصولاً إلى منطقة زبدة المحاذية لجدار الفصل العنصري، بهدف خلق تواصل جغرافي للمستوطنات.
ورصد سكان البلدة زيادة مطردة في عدد الآليات العسكرية والجرافات التابعة للمستوطنين، حيث ارتفع عددها من ثلاث جرافات في بداية الأسبوع لتصل إلى ثماني آليات تعمل بالتزامن. هذا التصعيد الميداني أثار حالة من القلق الشديد بين المزارعين الذين باتوا يخشون فقدان الوصول إلى أراضيهم التي ورثوها عن أجدادهم.
وتعد منطقة 'المرج' المستهدفة حالياً بمثابة السلة الغذائية الرئيسية لنعلين، حيث تضم أجود الأراضي الزراعية والمحاصيل الموسمية. ويحذر الأهالي من أن تحويل هذه المناطق إلى نطاق استيطاني سيؤدي إلى خنق البلدة اقتصادياً ودفع السكان نحو التهجير القسري نتيجة فقدان سبل العيش.
وتشير الإحصائيات التاريخية إلى تآكل مستمر في مساحة نعلين، حيث كانت تبلغ مساحتها الأصلية نحو 58 ألف دونم قبل نكبة عام 1948. ومع توالي عمليات المصادرة وبناء الجدار الاستيطاني، لم يتبقَ للفلسطينيين سوى 10 آلاف دونم فقط، وهي مساحة لا تكفي للتوسع العمراني أو الزراعي المستقبلي.
وفي ظل هذا الضيق المكاني، يتساءل رئيس البلدية عن مصير نحو 25 ألف نسمة من أبناء نعلين، سواء المقيمين في الداخل أو المهجرين في الخارج. ويرى الخواجا أن سياسة الاحتلال تعتمد على تفريغ الأرض من أصحابها الشرعيين عبر تدمير البنية التحتية الزراعية وجعل البقاء في الأرض أمراً مستحيلاً.
من جانبه، يروي المواطن عبد الحكيم الخواجا معاناته مع وصول الجرافات إلى أرضه البالغة مساحتها 6 دونمات، واصفاً المشهد بأنه تمزيق لجسده وروحه. ويقول عبد الحكيم إنه يقضي يومه في رعاية شتلاته وسقي أشجاره، لكنه اليوم يقف عاجزاً أمام آليات المستوطنين التي تحول الخضرة إلى ركام.
وتعتبر شجرة الزيتون في نعلين رمزاً للصمود وأصلاً اقتصادياً لا يمكن تعويضه، حيث يقدر عدد الأشجار في المنطقة المهددة بنحو 5 آلاف شجرة. وتعود جذور بعض هذه الأشجار إلى آلاف السنين، مما يجعل اقتلاعها جريمة بيئية وتاريخية تهدف لمحو الهوية الفلسطينية المرتبطة بالأرض.
وأكدت مصادر ميدانية أن عمليات التخريب لم تتوقف عند التجريف، بل شملت تكسير أغصان الأشجار وتدمير السلاسل الحجرية في منطقة 'الخلال'. هذه الممارسات تهدف بوضوح إلى تغيير معالم الأرض الجغرافية وتصعيب مهمة استصلاحها مجدداً من قبل المزارعين الفلسطينيين في المستقبل.
وعلى الصعيد القانوني والحقوقي، ناشدت بلدية نعلين المؤسسات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان للتدخل الفوري لوقف هذا التغول الاستيطاني. وطالب الخواجا بضرورة توفير حماية دولية للمزارعين الذين يتعرضون لاعتداءات يومية أثناء محاولتهم الوصول إلى حقولهم وجني ثمارهم.
ورغم الضغوطات الهائلة، يشدد أهالي نعلين على تمسكهم بحقهم في الوجود والعيش بسلام فوق أرضهم التاريخية. ويؤكد السكان أن الصمود هو الخيار الوحيد لمواجهة سياسة الأمر الواقع التي يحاول المستوطنون فرضها عبر الجرافات وقوة السلاح، مشيرين إلى أن نعلين ستبقى ثابتة رغم الجراح.
وتعكس حالة نعلين نموذجاً مصغراً لما تعانيه قرى وبلدات الضفة الغربية من سياسة 'قضم الأراضي' التدريجية التي تنتهجها سلطات الاحتلال. فالبداية تكون دائماً بشق طريق ترابي بسيط، سرعان ما يتحول إلى شارع معبد يخدم بؤرة استيطانية تتوسع لتلتهم آلاف الدونمات المحيطة بها.
وفي ختام المشهد، تظل الجرافات "الإسرائيلية" تواصل عملها تحت حماية أمنية عسكرية، بينما يراقب المزارعون الفلسطينيون بحسرة ضياع تعب السنين. ومع ذلك، يبقى الأمل معقوداً على التحركات الشعبية والقانونية لوقف هذا النزيف المستمر في جسد الأرض الفلسطينية التي تكتوي بنار الاستيطان.