السجون "الإسرائيلية" جُهنم الأرض

الاحتلال يحرم الأسرى فرحة رمضان بالطمس والقمع والحرمان

الاحتلال يحرم الأسرى فرحة رمضان بالطمس والقمع والحرمان

كنعان – خاص

شهر رمضان يحلّ هذا العام مثقلاً بالأوجاع، فيما يواصل الأسرى الفلسطينيون تجرّع مرارة القمع والتنكيل داخل سجون الاحتلال، في مشهدٍ يتصاعد قسوةً مع مرور الوقت، وسط صمتٍ إنساني مريب إزاء ما يتعرضون له من انتهاكات ممنهجة لا تتوقف.

ولم يعد ما يجري خلف القضبان خافيًا، في ظل ما سرّبه الإعلام العبري عن اعتداءات يقودها وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير بحق الأسرى أمام عدسات الكاميرات، بما يعكس سياسة معتمدة تُقرّها منظومة الاحتلال السياسية والأمنية والقضائية، وتستهدف كسر إرادة الأسرى والنيل من كرامتهم.

لا علم ببدء رمضان

تفرض إدارة مصلحة السجون التابعة للاحتلال إجراءات مشددة تحرم الأسرى من معرفة حلول شهر رمضان ومواقيت الصيام والإفطار وأداء الشعائر الدينية، عبر الامتناع عن إبلاغهم بمواعيد أذاني الفجر والمغرب، وفق ما أكدته هيئة شؤون الأسرى والمحررين.

وأوضح محامي الهيئة، خالد محاجنة، أن الاحتلال يسعى لطمس فرحة الأسرى في المناسبات الدينية، وتعميق معاناة عائلاتهم، مشيرًا إلى أن أحد الأسرى علم ببدء رمضان مصادفةً خلال جلسة محاكمته، بعدما هنأه المحامي بالشهر الفضيل، ليفاجأ بالرد: “اليوم رمضان؟ لم يُبلغنا أحد”.

وأضاف أن الأسرى يدخلون الشهر بلا سحور منتظم، بينما يتحول الإفطار إلى وجعٍ ممتد لا يشبه طقوس رمضان، إذ يُجبر كثير منهم منذ أكثر من عامين على الاكتفاء بفتات الطعام.

وسبق أن نقل أسرى محررون من سجن عوفر رسالة يطالب فيها الأسرى أئمة المساجد في القرى العربية القريبة من السجون برفع صوت الأذان، حتى يتمكنوا من معرفة مواقيت الصلاة.

شهادات من الداخل

الأسير المحرر محمد قاعود، الذي اعتُقل في سجن “سديه تيمان”، يؤكد أن أداء العبادات كان يُقابل بعقوبات جماعية، موضحًا أن من يُرصد عبر الكاميرات يؤدي أي شعيرة دينية يتعرض للتنكيل، إضافة إلى الاعتداء عليه بوسائل تعذيب قاسية، لافتًا إلى أن السجان يرى في العبادة تحديًا مباشرًا لسلطته.

وبيّن أن الطعام المقدم كان يقتصر على قطعة خبز مع ملعقة تونة أو مربى أو جبن على وجبتين، فيما كان السجانون يتعمدون تأخير وجبة السحور إلى ما بعد أذان الفجر، وتأخير الإفطار إلى ما بعد صلاة العشاء، في محاولة لإطالة ساعات الصيام وزيادة المعاناة.

وأشار قاعود إلى أن الانتهاكات تجاوزت الحرمان من الصلاة والصوم، لتصل إلى الإساءة للدين وتمزيق المصاحف والاعتداء الجسدي، مؤكدًا أن ما يجري ليس سلوكًا فرديًا، بل سياسة إذلال ممنهجة تهدف إلى تحويل الإيمان من مصدر صمود إلى مساحة استهداف.

معاناة مضاعفة للأسيرات

ولا تقل معاناة الأسيرات قسوة، بل تتضاعف في ظل انتهاكات نفسية وجسدية ممنهجة، تشمل العزل الانفرادي لفترات طويلة، والتفتيش المهين، والحرمان من التواصل مع العائلة.

وأشارت هيئة شؤون الأسرى إلى نقص حاد في المستلزمات الأساسية داخل السجون، بما في ذلك الملابس الملائمة، والاحتياجات الصحية الخاصة بالنساء، والغذاء الكافي، ما يفاقم الظروف القاسية ويترك آثارًا نفسية عميقة، خاصة في شهر رمضان الذي تنقطع فيه الأسيرات عن دفء العائلة وروح المناسبة.

لا احترام لقدسية الشهر

من جانبه، قال المختص في شؤون الأسرى عبد الناصر فروانة إن إدارة سجون الاحتلال لم تُراعِ يومًا قدسية شهر رمضان، مؤكّدًا أنها دأبت على عرقلة ممارسة الشعائر الدينية وفرض عقوبات جماعية واقتحامات متكررة.

وأضاف أن الأسرى اعتادوا محاولة تجاوز آلامهم لاستقبال الشهر بما يليق بفضيلته، إلا أن رمضان هذا العام يبدو مختلفًا بصورة غير مسبوقة، خصوصًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل العزل والانقطاع شبه الكامل عن العالم الخارجي، إلى درجة أن بعضهم لا يعلم ببدء الشهر.

وختم بالقول إن حياة الأسرى تحوّلت إلى جحيم داخل سجون الاحتلال، التي وصفتها مؤسسات حقوقية بأنها “جهنم على الأرض”.

أرقام صادمة

ووفق بيان صادر عن مؤسسات فلسطينية مختصة، بلغ عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال حتى مطلع سبتمبر/أيلول الماضي أكثر من 11 ألفًا و100 أسير، وهو الرقم الأعلى منذ انتفاضة الأقصى عام 2000، دون أن يشمل ذلك المعتقلين المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال.

ومن بين المعتقلين 49 سيدة، بينهن أسيرتان من قطاع غزة، و400 طفل دون سن 18 عامًا، إضافة إلى 3577 معتقلًا إداريًا دون تهمة، وهي النسبة الأعلى مقارنة ببقية الفئات، فضلًا عن 2662 معتقلًا مصنّفين “مقاتلين غير شرعيين”، وهو رقم لا يشمل جميع معتقلي غزة في المعسكرات العسكرية.

ومنذ بدء الاجتياح البري لقطاع غزة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023، اعتقل جيش الاحتلال آلاف الفلسطينيين، بينهم نساء وأطفال وطواقم طبية وصحفيون، أُفرج عن عدد محدود منهم لاحقًا، وقد بدت عليهم آثار التعذيب والتجويع.

في المحصلة، يدخل الأسرى رمضان وهم محاصرون بالقيود والعتمة، بينما يحاول الاحتلال انتزاع فرحة الشهر من قلوبهم، غير أن شهادات المحررين تؤكد أن الإيمان ما زال يتقد داخل الزنازين، وأن الإرادة، مهما اشتدت القيود، تظل عصية على الكسر.

الاحتلال يحرم الأسرى فرحة رمضان بالطمس والقمع والحرمان

الجمعة 27 / فبراير / 2026

كنعان – خاص

شهر رمضان يحلّ هذا العام مثقلاً بالأوجاع، فيما يواصل الأسرى الفلسطينيون تجرّع مرارة القمع والتنكيل داخل سجون الاحتلال، في مشهدٍ يتصاعد قسوةً مع مرور الوقت، وسط صمتٍ إنساني مريب إزاء ما يتعرضون له من انتهاكات ممنهجة لا تتوقف.

ولم يعد ما يجري خلف القضبان خافيًا، في ظل ما سرّبه الإعلام العبري عن اعتداءات يقودها وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير بحق الأسرى أمام عدسات الكاميرات، بما يعكس سياسة معتمدة تُقرّها منظومة الاحتلال السياسية والأمنية والقضائية، وتستهدف كسر إرادة الأسرى والنيل من كرامتهم.

لا علم ببدء رمضان

تفرض إدارة مصلحة السجون التابعة للاحتلال إجراءات مشددة تحرم الأسرى من معرفة حلول شهر رمضان ومواقيت الصيام والإفطار وأداء الشعائر الدينية، عبر الامتناع عن إبلاغهم بمواعيد أذاني الفجر والمغرب، وفق ما أكدته هيئة شؤون الأسرى والمحررين.

وأوضح محامي الهيئة، خالد محاجنة، أن الاحتلال يسعى لطمس فرحة الأسرى في المناسبات الدينية، وتعميق معاناة عائلاتهم، مشيرًا إلى أن أحد الأسرى علم ببدء رمضان مصادفةً خلال جلسة محاكمته، بعدما هنأه المحامي بالشهر الفضيل، ليفاجأ بالرد: “اليوم رمضان؟ لم يُبلغنا أحد”.

وأضاف أن الأسرى يدخلون الشهر بلا سحور منتظم، بينما يتحول الإفطار إلى وجعٍ ممتد لا يشبه طقوس رمضان، إذ يُجبر كثير منهم منذ أكثر من عامين على الاكتفاء بفتات الطعام.

وسبق أن نقل أسرى محررون من سجن عوفر رسالة يطالب فيها الأسرى أئمة المساجد في القرى العربية القريبة من السجون برفع صوت الأذان، حتى يتمكنوا من معرفة مواقيت الصلاة.

شهادات من الداخل

الأسير المحرر محمد قاعود، الذي اعتُقل في سجن “سديه تيمان”، يؤكد أن أداء العبادات كان يُقابل بعقوبات جماعية، موضحًا أن من يُرصد عبر الكاميرات يؤدي أي شعيرة دينية يتعرض للتنكيل، إضافة إلى الاعتداء عليه بوسائل تعذيب قاسية، لافتًا إلى أن السجان يرى في العبادة تحديًا مباشرًا لسلطته.

وبيّن أن الطعام المقدم كان يقتصر على قطعة خبز مع ملعقة تونة أو مربى أو جبن على وجبتين، فيما كان السجانون يتعمدون تأخير وجبة السحور إلى ما بعد أذان الفجر، وتأخير الإفطار إلى ما بعد صلاة العشاء، في محاولة لإطالة ساعات الصيام وزيادة المعاناة.

وأشار قاعود إلى أن الانتهاكات تجاوزت الحرمان من الصلاة والصوم، لتصل إلى الإساءة للدين وتمزيق المصاحف والاعتداء الجسدي، مؤكدًا أن ما يجري ليس سلوكًا فرديًا، بل سياسة إذلال ممنهجة تهدف إلى تحويل الإيمان من مصدر صمود إلى مساحة استهداف.

معاناة مضاعفة للأسيرات

ولا تقل معاناة الأسيرات قسوة، بل تتضاعف في ظل انتهاكات نفسية وجسدية ممنهجة، تشمل العزل الانفرادي لفترات طويلة، والتفتيش المهين، والحرمان من التواصل مع العائلة.

وأشارت هيئة شؤون الأسرى إلى نقص حاد في المستلزمات الأساسية داخل السجون، بما في ذلك الملابس الملائمة، والاحتياجات الصحية الخاصة بالنساء، والغذاء الكافي، ما يفاقم الظروف القاسية ويترك آثارًا نفسية عميقة، خاصة في شهر رمضان الذي تنقطع فيه الأسيرات عن دفء العائلة وروح المناسبة.

لا احترام لقدسية الشهر

من جانبه، قال المختص في شؤون الأسرى عبد الناصر فروانة إن إدارة سجون الاحتلال لم تُراعِ يومًا قدسية شهر رمضان، مؤكّدًا أنها دأبت على عرقلة ممارسة الشعائر الدينية وفرض عقوبات جماعية واقتحامات متكررة.

وأضاف أن الأسرى اعتادوا محاولة تجاوز آلامهم لاستقبال الشهر بما يليق بفضيلته، إلا أن رمضان هذا العام يبدو مختلفًا بصورة غير مسبوقة، خصوصًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل العزل والانقطاع شبه الكامل عن العالم الخارجي، إلى درجة أن بعضهم لا يعلم ببدء الشهر.

وختم بالقول إن حياة الأسرى تحوّلت إلى جحيم داخل سجون الاحتلال، التي وصفتها مؤسسات حقوقية بأنها “جهنم على الأرض”.

أرقام صادمة

ووفق بيان صادر عن مؤسسات فلسطينية مختصة، بلغ عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال حتى مطلع سبتمبر/أيلول الماضي أكثر من 11 ألفًا و100 أسير، وهو الرقم الأعلى منذ انتفاضة الأقصى عام 2000، دون أن يشمل ذلك المعتقلين المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال.

ومن بين المعتقلين 49 سيدة، بينهن أسيرتان من قطاع غزة، و400 طفل دون سن 18 عامًا، إضافة إلى 3577 معتقلًا إداريًا دون تهمة، وهي النسبة الأعلى مقارنة ببقية الفئات، فضلًا عن 2662 معتقلًا مصنّفين “مقاتلين غير شرعيين”، وهو رقم لا يشمل جميع معتقلي غزة في المعسكرات العسكرية.

ومنذ بدء الاجتياح البري لقطاع غزة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023، اعتقل جيش الاحتلال آلاف الفلسطينيين، بينهم نساء وأطفال وطواقم طبية وصحفيون، أُفرج عن عدد محدود منهم لاحقًا، وقد بدت عليهم آثار التعذيب والتجويع.

في المحصلة، يدخل الأسرى رمضان وهم محاصرون بالقيود والعتمة، بينما يحاول الاحتلال انتزاع فرحة الشهر من قلوبهم، غير أن شهادات المحررين تؤكد أن الإيمان ما زال يتقد داخل الزنازين، وأن الإرادة، مهما اشتدت القيود، تظل عصية على الكسر.