كنعان _ وليد المصري
عالم اخر محكومٌ على من بداخله الحياة بين أسوار مشيدة باعتا انواع الفولاذ والاسلاك الشائكة، يمارس بحقهم شتى الوان التعذيب المعنوي والجسدي من مجموعة عنصرية سادية تتلذذ على معاناة الأخرين، تقودهم عصابات همجية مدعومة من دول محور الشر والدمار .. إنهم باختصار أسرانا البواسل الذين تم خطف معظمهم من بيوتهم وهم نيام بين احضان أسرهم، أو أثناء تنقلهم إلى مدارس وجامعاتهم واعمالهم أو حتى أثناء تلقيهم للعلاج ..
رغم الواقع السوداوي الذي يعيشه الأسرى، إلا أنهم يعملون بكل قوة على تغييره ، عبر استغلال أي شيء ولا سيما المناسبات السعيدة كالأعياد وغيرها لإضفاء البهجة والسرور ، وكسر رتين السجن القاتل..
وكالة " كنعان الإخبارية" كانت في ضيافة الأسير المحرر إياد عبد الله الجرجاوي (أبو إصليح) " 34 عاماً"، والذي أٌفرِج عنه من سجون الاحتلال مطلع الشهر الجاري، بعد أن قضى تسعَ سنواتٍ في الأسر؛ في منزله جنوب شرق محافظة خان يونس ، للاطلاع على تفاصيل حياة الأسرى ، وخاصة في الأعياد والمناسبات ..
محصورة بالمعاناة
ويقول المحرر إياد الجرجاوي :"واقعَ الحياة اليومية داخل السجون، لا يختلف كثيراً عن تلك الروايات التي تحدث عنها اخواني الأسرى المحررين من قبلي، لكن يبقى لكل أسير برنامجه اليومي الخاص به، والمحكوم بظروفه وهذا البرنامج محصور ومحكوم بوقتٍ وساعةٍ معينة".
ويُضيف الجرجاوي، ومشاعر الحزن بدت واضحة على قسمات وجهه:" حياة الأسير داخل السجن مليئةٌ بالتضييق والمعاناة اليومية؛ إلا أنه يُحاول قدر المستطاع التكيُّف مع هذه الظروف القاسية، وتسخيرها لما يتناسب مع استمرار حياته وقضاء يومه".
وعن البرنامج اليومي للأسرى، يُوضح الجرجاوي، "يختلف البرنامج اليومي بين السجون، بل وبين الأسرى في السجن الواحد، إلا أن هناك أوقاتٌ وأعمالٌ مشتركةٌ يقوم بها الأسرى جميعاً؛ حيث أنهم يستيقظون باكراً، ويُؤدون صلاة الفجر، ثم ينطلقون إلى الفورة (وهي الساحة العامة التي يجتمع فيها الأسرى)، فيبدؤون بممارسة الرياضة والتمارين الإحصائية والركض والسويدي؛ والتمارين البسيطة حسب المستطاع؛ إذ أن الأسير الفلسطيني لا يمتلك الأجهزة أو المعدات الرياضية اللازمة لممارسة أنواع الرياضة المختلفة".
ويُتابع: "بعد ذلك.. يُغلق السجن، وتكون فرصةً للمطالعة، وقراءة الجرائد العبرية وتداول الأخبار والمستجدات؛ حيث يُمنع إدخال الجرائد أو الصحف العربية إلى المعتقل، إضافةً إلى تناول طعام الفطور"، مشيراً أن الأسرى يتناولون وجبتين فقط في اليوم، هما وجبة الفطور ووجبة الغداء.
ويردف: "فترة الظهيرة، ينشغل الأسرى بدراستهم ومحاضراتهم الجامعية، وفي الفترة المسائية يجتمعون ويتسامرون، حتى إغلاق السجن في تمام السادسة مساءً".
ويُؤكد الجرجاوي، أن الساعات المحدودة التي يجتمع فيها الأسرى، تُمثِّل نشاطاً اجتماعياً وإنسانياً كبيراً فيما بينهم، واتصالاً وجدانياً مع الخارج، فهم غير منفصلين عمَّا يدور في السجون الأخرى، أو المستجدات على الساحة الفلسطينية، متفاعلين مع قضايا شعبهم ووطنهم، علاوةً على تأثرهم بالوضع السياسي العام الذي ينعكس بشكل كبير داخل السجون.
وتطرق بالتفصيل إلى حجمَ المضايقات والمعاناة التي يعيشها الأسرى داخل سجون الاحتلال، موضحاً أن " الأسرى يعانون ظروفاً قاسية وصعبةً، فالحجز داخل قفص صغير، والفحص الأمني اليومي، والإنذار المفاجئ بغلق السجن، والإهمال الطبي المتعمد، وتركيب أجهزة التشويش، والمداهمات الليلية، ومنع الزيارات العائلية، والتعذيب الجسدي والنفسي، والعزل الانفرادي، كلها أمورٌ تزيد من معاناة الأسير؛ عدا عن الاحتكاك المباشر مع مصلحة السجون، وتدخل الوحدات الخاصة التي لا تتوانى عن الاعتداء على الاسرى وسجنهم في زنازين لا تصلح للحياة لفترات طويلة".
المرضى يعانون الأمرين
وعن تعامل الاحتلال مع المرضى ؟، أوضح المحرر إيادي الجرجاوي :" هنالك عشرات الأسرى المرضى في السجون بأمراض مختلفة، كالسرطان والقلب، والغضروف، والضغط والربو، والروماتزم والبواسير، وزيادة الدهون والقرح، وضعف النظر والأسنان"، مؤكدًا أن إدارة السجون تستهتر بحياة الأسرى المرضى وتسوف في اتمام المراجعات وإجراء العمليات الضرورية لهم.
ونوه الجرجاوي أن العيادات الطبية في السجون والمعتقلات الصهيونية، تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الصحية، والمعدات والأدوية الطبية اللازمة والأطباء الأخصائيين لمعاينة ومعالجة الحالات المرضية المتعددة، وأن الدواء السحري الوحيد المتوفر فيها هو المسكنات التي تقدم علاجًا لكل مرض وداء.
وأكمل حديثه قائلاً :"تستمر إدارات السجون في مماطلتها بنقل الحالات المرضية المستعصية للمستشفيات؛ والأسوأ من ذلك أن عملية نقل الأسرى المرضى والمصابين تتم بسيارة مغلقة غير صحية، بدلاً من نقلهم بسيارات الإسعاف، وغالباً ما يتم تكبيل أيديهم وأرجلهم، ناهيك عن المعاملة الفظة والقاسية التي يتعرضون لها أثناء عملية النقل داخل ما يسمى عربات البسطة"، مؤكداً أن الأسير المريض يموت في سجون الاحتلال في كل لحظة لا يجد فيها الرعاية والعلاج اللازم لتخفيف آلمه ..
للأعياد نكهة مغمسة بالوجع
عن كيفية تعاطي الأسرى مع المناسبات والأعياد، أجاب الجرجاوي " لكل مناسبة طقوسها الخاصة، ونكهةً مختلفةً، -فعلى سبيل المثال-، يستقبل الأسرى شهر رمضان المبارك بزيادة العبادات والطاعات؛ على اعتبار أن في رمضان مفاتيح الفرج، فهو شهر الرحمة والمغفرة" ويتابع: " يُطلق الأسرى خلال هذا الشهر حملات ومبادرات جميلة، فكل مجموعة أو غرفة تتفق مع بعضها لختم القرآن، وقيام التراويح، ويضعون جدولاً للإفطار، مع أن الطعام مُحدَّد ومحصور في أشياء معينة".
وبمشاعر مختلطة بين الأمل والألم، يُواصل الجرجاوي حديثه لـ"وكالة كنعان الإخبارية"، فيقول المحرّر إياد: " أصعب لحظات تمر على الأسرى، هو الوقت الذي تُرجعنا الذاكرة فيه لأشهر رمضان التي قضيناها مع أهلنا وأقاربنا وأصدقائنا قبل الاعتقال، فنتذكر أجواء الفرحة والجلوس مع الأهل، ومائدة الإفطار الكبيرة والموحدة، وحلويات رمضان، والاجتماع لصلاة التراويح، وفرحة الأطفال وهم يطلقون الألعاب النارية، ومنظر البيوت المزينة بالفوانيس والهلال والأضواء الجميلة"، ويكمل الجرجاوي حديثه متنهداً، "ولكنها تبقى نوعاً من التمني..".
أما الأعياد لدى الأسرى، فهي حكايةٌ أخرى لها فصولُها المتعددة المتجاوزة لكل أشكال الألم والأمل، يرويها الأسير المحرر بقلبٍ يعتصر ألماً ، قائلاً "أعياد الأسرى دائماً حزينة ولا فرحة ولا بهجة فيها، لأن الأسير يتذكر أهله وأحبابه الذين كان يلتقي بهم في هذه المناسبات ويقضي معهم أجمل اللحظات"، واستدرك قائلاً :" لكننا نحاول قدر المستطاع أن نضفي لوناً أو جمالية أو رائحة أو مشهداً جديداً للعيد داخل السجن، ولكن لا شيء يتغير، فواقع الأسر يسلب كل الفرح والسعادة".
ويُكمل حديثه : "برنامج الأسرى يوم العيد، يختلف شيئاً ما عن باقي الأيام، إذ نؤدِّ مناسك صلاة العيد في الفورة، ونستمع إلى الخطبة التي تأخذ نوعاً من الصمود والتحدي والثبات، وهذا الأمر الوحيد الذي لم يستطع الاحتلال منعه، ثم نُصافح ونهنِّئ بعضنا، متمنين أن يأتي العيد القادم ونحن بين أهلنا وأحبابنا وأبناء شعبنا.."
مبادرات جميلة
ويتطرق الأسير المحرّر، إلى عددٍ من المبادرات الجميلة، التي يقوم بها الأسرى في المناسبات والأعياد، حيث ينظمون زياراتٍ اجتماعيةٍ واسعةٍ للأسرى القدامى وكبار السن والمرضى والأسرى الجدد.
ويتابع: " يُضاف إلى ذلك، أن مجموعة من الأسرى يحاولون صناعة الحلوى كالمعمول والكعك والهريسة، ومن المواد المتواجدة لديهم، إلا أن حلوى السجن لا تمت بصلة إلى الحلوى التي تعدها الأم والخت والزوجة ..".
تضييقٌ متعمد
وكعادته، يتعمد الاحتلال الصهيوني التنغيص على الأسرى، ففي رمضان والأعياد خاصةً، يمنع إدخال الملابس أو اللوازم التي يحتاجها الأسرى، ويُكثِّف من اقتحامه للسجون وتضيقه على الأسرى، فليس لرمضان حرمة في السجون، فالتفتيش مستباح في أي وقت، مع أن الأسرى الفلسطينيون يكونون أشدَّ التزاماً في المناسبات و الأعياد اليهودية مع إدارة مصلحة السجون.
ولفت الأسير المحرر إلى أنه مع تولي "نفتالي بينيت"، حقيبة وزارة الحرب الصهيونية، و"جلعاد أردان" حقيبةً الأمن الداخلي، منذ أربع سنوات، تشددت الإجراءات والمضايقات، وازدادت العقوبات، واعتمدت توصيات لجنة تشديد ظروف اعتقال الأسرى الفلسطينيين، وكان من بين التوصيات، وقف توزيع الأسرى على الغرف وفق للتبعية التنظيمية، ووقف التعامل مع مطالب جماعية للأسرى، بل كل أسير يمثل نفسه أمام الإدارة في السجن، وتم منع تداول "حلوى السجن" بين الأسرى في الساحة، أو تجمعهم يوم العيد.
رسالة للأسرى
بكل يقين وثقة، يؤكد الجرجاوي، أن "الأسرى هم جبل المحامل، المتواجدون على خط النار، الصامدون، المحتسبون، الثابتون، المتمسكون بالثوابت الوطنية"
ويختم حديثه، برسالةٍ يُوجهها للأسرى، أن شعبكم الفلسطيني ينتظركم على أحر من الجمر، وهذا الأمر لامسه خلال استقباله حين خروجه من السجن، فقضيتكم مركزية ومحورية لدى الشعب، بكل مكوناته وأطيافه..