8 أكاذيب قالها "نتنياهو" لمقاعد قاعة فارغة في الأمم المتحدة

8 أكاذيب قالها "نتنياهو" لمقاعد قاعة فارغة في الأمم المتحدة

كنعان- وكالات

في مشهد لافت، ألقى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مساء الخميس، خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما غادرت عشرات الوفود القاعة احتجاجاً على حضوره، لتتحول كلمته التي امتدت لنحو أربعين دقيقة إلى خطاب أمام مقاعد شاغرة، حاول خلاله الدفاع عن سياسات حكومته في قطاع غزة والضفة الغربية، ومهاجمة إيران وقطر وتركيا وفرنسا، إلى جانب توجيه رسائل مباشرة إلى الداخل "الإسرائيلي".

وقبل صعوده إلى المنصة، كان نتنياهو قد تحدث عن "مفاجآت" سيكشف عنها في خطابه، إلا أن الكلمة جاءت في معظمها تكراراً للمواقف التي سبق أن تبنتها حكومته منذ بدء الحرب على قطاع غزة، مع إعادة طرح روايات وادعاءات تتعلق بالمساعدات الإنسانية، وعنف المستوطنين، وأحداث السابع من أكتوبر، والوضع في بيت لحم، إلى جانب محاولة نفي المسؤولية الإسرائيلية عن الظروف التي يعيشها الفلسطينيون. وفيما يلي أبرز ثمانية ادعاءات وردت في خطاب نتنياهو، تتعارض مع بيانات أممية وتحقيقات صحفية ووثائق رسمية تناولت الوقائع نفسها:  قلل عنف المستوطنين  حاول نتنياهو خلال خطابه اختزال اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية في مجموعة محدودة من الشبان، قائلاً إن نحو 150 شخصاً يلقون الحجارة ويقطعون أشجار الزيتون ويشعلون الحرائق أحياناً، مدعياً أن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا جراء هذه الاعتداءات لا يتجاوز شخصين أو ثلاثة. وتظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية صورة مختلفة عن تلك التي قدمها نتنياهو، إذ وثقت المنظمة خلال السنوات الماضية تصاعداً مستمراً في هجمات المستوطنين، وما رافقها من إصابات وقتل وتهجير وإتلاف للممتلكات والأراضي الزراعية، فيما تجاوز عدد الهجمات المسجلة خلال عام 2026 مستويات مرتفعة مقارنة بالأعوام السابقة. ووفق البيانات الأممية، لم تقتصر آثار هذه الاعتداءات على وقوع إصابات أو أضرار مادية، وإنما ساهمت إلى جانب القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين في تهجير عشرات التجمعات الفلسطينية بصورة كلية أو جزئية، الأمر الذي جعل عنف المستوطنين أحد العوامل الرئيسية في تفريغ مناطق فلسطينية من سكانها. كما أن وصف الاعتداءات بأنها أعمال مجموعة محدودة من الشبان يتجاهل أن شخصيات بارزة من الحركة الاستيطانية تشغل مناصب وزارية في حكومة نتنياهو، في وقت تتواصل فيه اعتداءات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية وممتلكات المواطنين وأراضيهم الزراعية. سرقة المساعدات وفي ملف المساعدات الإنسانية، أعاد نتنياهو استخدام الرواية الإسرائيلية التي تتهم حركة حماس بالاستيلاء على الجزء الأكبر من المساعدات التي تدخل قطاع غزة، وهي الرواية التي استخدمتها الحكومة الإسرائيلية في تبرير القيود المفروضة على آليات إدخال وتوزيع المساعدات داخل القطاع. لكن مراجعة أجرتها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية للحوادث التي أبلغ عنها شركاؤها خلال الفترة الممتدة من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى مايو/أيار 2025 لم تجد دليلاً على عملية ممنهجة لسرقة المساعدات من جانب منظمات مصنفة إرهابية. وشملت المراجعة 156 حادثة أبلغ فيها عن سرقة أو فقدان مساعدات، فيما أظهرت النتائج أن أقل من واحد في المئة من المساعدات تأثر بالسرقة أو التحويل أو الهدر، وهو ما يتعارض مع تقديم سرقة معظم المساعدات باعتبارها حقيقة ثابتة يمكن الاستناد إليها لتفسير الأزمة الإنسانية في القطاع. كما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أن الجيش لم يجد دليلاً على قيام حماس بسرقة منهجية للمساعدات من مواقع توزيع الأمم المتحدة، في وقت كانت فيه المنظمات الإنسانية تحذر بصورة متكررة من صعوبة إدخال المساعدات وتوزيعها والوصول إلى السكان المحتاجين إليها. هندسة التجويع  وفي محاولة للرد على الاتهامات المتعلقة بالوضع الإنساني في قطاع غزة، تحدث نتنياهو عن دخول مليوني طن من الغذاء إلى القطاع، إلى جانب تقديم مليون جرعة من لقاح شلل الأطفال، مستخدماً هذه الأرقام لنفي الاتهامات الموجهة إلى حكومته بشأن التجويع والإبادة. غير أن حجم المساعدات التي تقول إسرائيل إنها سمحت بدخولها لا يعكس وحده الوضع الإنساني داخل القطاع، إذ وثقت المنظمات الدولية خلال الحرب صعوبات واسعة في وصول المواد الغذائية إلى السكان، كما سجلت مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي، ووصل الأمر إلى إعلان المجاعة في أجزاء من القطاع خلال مراحل مختلفة من الحرب. وكان التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي قد أعلن في أغسطس/آب 2025 وجود مجاعة في مدينة غزة، في وقت حذرت فيه المنظمات الإنسانية من استمرار سوء التغذية ونقص المواد الأساسية وارتفاع الاحتياجات الإنسانية. أما حملة التطعيم ضد شلل الأطفال التي استشهد بها نتنياهو، فقد نفذتها منظمة الصحة العالمية واليونيسف والأونروا وشركاء صحيون آخرون، وجرت في ظل ترتيبات إنسانية مؤقتة سمحت بتنفيذ الحملة داخل القطاع، ولا يمكن اعتبار تنفيذها دليلاً على أن الظروف الصحية والإنسانية في غزة كانت طبيعية أو أن الاحتياجات الأساسية للسكان كانت مؤمنة.  لا تطابق الأرقام وانتقل نتنياهو في خطابه إلى مدينة بيت لحم، مدعياً أن المدينة كانت ذات أغلبية مسيحية ساحقة عندما كانت تحت السيطرة الإسرائيلية، وأنها تحولت بعد تسليمها إلى السلطة الفلسطينية إلى مدينة ذات أغلبية مسلمة بالنسبة نفسها تقريباً، مع حديثه عن دفع المسيحيين إلى مغادرة المدينة. غير أن الأرقام التاريخية التي تناولت التركيبة السكانية لبيت لحم لا تؤيد وصفها بأنها كانت ذات أغلبية مسيحية ساحقة، إذ تشير بيانات عام 1967 إلى أن عدد سكان المدينة بلغ نحو 14,439 نسمة، شكل المسيحيون منهم 46.1% مقابل 53.9% من المسلمين، فيما ترتفع نسبة المسلمين عند احتساب سكان مخيم اللاجئين ضمن حدود البلدية. وتشير المعطيات المتعلقة بالهجرة المسيحية من بيت لحم إلى عوامل متعددة تراكمت على مدى عقود، من بينها الأوضاع الاقتصادية والسياسية، والاحتلال، ومصادرة الأراضي، والحواجز العسكرية وقيود الحركة والوصول إلى القدس والمناطق الفلسطينية الأخرى. وبذلك فإن اختزال التغير الديموغرافي في بيت لحم باعتباره نتيجة مباشرة لـ"طرد" المسيحيين بعد انتقال إدارة المدينة إلى السلطة الفلسطينية يتجاهل السياق التاريخي والسياسي الأوسع الذي تناولته دراسات وتقارير متعددة حول الهجرة المسيحية الفلسطينية. كذب متجدد وأعاد نتنياهو خلال خطابه استخدام روايات مرتبطة بأحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، من بينها الحديث عن أطفال ورضع أحرقوا أحياء خلال الهجوم، وهي روايات انتشرت على نطاق واسع في الأيام الأولى للحرب قبل أن تخضع أجزاء منها لتحقيقات صحفية إسرائيلية. وتناولت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية تلك الروايات في تحقيقات استندت إلى شهادات وبيانات من مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية وقادة الكيبوتسات والشرطة، وأشارت إلى أن روايات قطع رؤوس الأطفال والرضع التي جرى تداولها لم تقدم عليها أدلة تثبتها بالصورة التي انتشرت بها. كما تناول التحقيق مقتل الرضيعة ميلا كوهين، البالغة عشرة أشهر، والتي قتلت في كيبوتس بئيري بعدما أصيبت برصاصة خلال إطلاق النار على منزل عائلتها، في وقت لم تثبت فيه الروايات التي تحدثت عن أطفال أحرقوا جماعياً أو قطع رؤوس عشرات الأطفال. ورغم ذلك، أعاد نتنياهو طرح تلك الروايات أمام الجمعية العامة، ضمن خطابه الذي سعى من خلاله إلى تثبيت الرواية الإسرائيلية بشأن أحداث السابع من أكتوبر وربطها بتبرير العمليات العسكرية اللاحقة في قطاع غزة.  بعيداً عن سياقه وفي سياق هجومه على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تحدث نتنياهو عن المواطن الفرنسي نتانئيل شكرون، وهو أب لستة أبناء، وقال إنه قتل قبل أيام أثناء زيارة نبع برفقة ابنه، متهماً منفذ العملية بأنه عنصر من حركة حماس أطلق النار عليه من مسافة قريبة. لكن المعطيات التي تناولت الحادثة لم تتضمن إعلاناً رسمياً يثبت تبني حماس للعملية أو يحدد هوية منفذها على النحو الذي عرضه نتنياهو، بينما جاء الحديث عنها في الخطاب باعتبارها واقعة مكتملة التفاصيل والمسؤولية. كما أن تقديم موقع الحادثة باعتباره مجرد نبع يقصده المستوطنون للزيارة أغفل النزاع المستمر على الأرض المحيطة به، إذ يقع النبع قرب مستوطنة حلميش، وقد سيطر المستوطنون على الموقع وأقاموا فيه نشاطات استيطانية وسياحية، فيما منع أصحاب الأراضي الفلسطينيون من الوصول إليه خلال فترات سابقة. وتحمل المنطقة نفسها خلفية مرتبطة بالاستيطان وقيود وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم، وهو سياق لم يظهر في الرواية التي قدمها نتنياهو أمام الجمعية العامة. لا وجود إسرائيلياً وقال نتنياهو إن قطاع غزة لم يكن يضم في السابع من أكتوبر/تشرين الأول أي إسرائيلي، مدنياً كان أو عسكرياً، في محاولة لتقديم القطاع باعتباره منطقة لا وجود إسرائيلياً فيها قبل الهجوم. والقول إن إسرائيل سحبت مستوطنيها وقواتها الدائمة من داخل قطاع غزة عام 2005 صحيح من الناحية المكانية، إلا أن ذلك لا يلغي منظومة السيطرة التي استمرت بعد الانسحاب، بما في ذلك السيطرة على المجال الجوي والمياه الإقليمية، وفرض قيود واسعة على حركة الأشخاص والبضائع، والتحكم في عدد من المعابر، إلى جانب العمليات العسكرية والقيود الأمنية. وفي رأيها الاستشاري الصادر عام 2024، أكدت محكمة العدل الدولية أن التزامات إسرائيل بموجب قانون الاحتلال لم تنتهِ بمجرد الانسحاب من داخل قطاع غزة، وإنما بقيت قائمة بالقدر الذي استمرت فيه إسرائيل في ممارسة السيطرة الفعلية على القطاع. كما أن تقارير سابقة تناولت طبيعة الحصار المفروض على غزة منذ عام 2007، والقيود التي طالت حركة السكان والبضائع، فيما كشفت تقارير أخرى أن السلطات الإسرائيلية كانت تضع قيوداً على كميات المواد الغذائية التي يسمح بدخولها إلى القطاع، بما في ذلك احتساب الحد الأدنى من السعرات الحرارية المطلوبة لتجنب المجاعة الجماعية. اتهام قطر  وفي الجزء الأخير من خطابه، صعّد نتنياهو هجومه على قطر، متهماً إياها بإنفاق مليارات الدولارات للتأثير في الرأي العام الأميركي، وتمويل الجامعات ووسائل الإعلام، وفي مقدمتها قناة الجزيرة، بهدف نشر ما وصفه بـ"الأكاذيب" عن إسرائيل والتأثير في الشباب الأميركي. ورفض المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري هذه الاتهامات، معتبراً أنها محاولة لصرف الانتباه عن السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، ومشيراً إلى أن التغير في مواقف الشباب الأميركي لا يمكن اختزاله في حملات تأثير خارجية. وتظهر استطلاعات الرأي الأميركية بالفعل تغيراً ملحوظاً في مواقف فئات عمرية مختلفة تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ أظهر استطلاع غالوب الصادر في فبراير/شباط الماضي أن أكثر من نصف الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً باتوا يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، للمرة الأولى منذ بدء الاستطلاع، فيما بلغت نسبة المتعاطفين مع الإسرائيليين 23%، وهي النسبة الأدنى التي سجلها الاستطلاع لهذه الفئة. وامتد التغير إلى الفئة العمرية بين 35 و54 عاماً، التي شهدت هي الأخرى تحولاً في اتجاهات التعاطف خلال عام واحد، بما يؤكد أن التغير في الرأي العام الأميركي أصبح اتجاهاً تقيسه استطلاعات الرأي، بينما يبقى تفسير نتنياهو لهذا التحول باعتباره نتيجة مباشرة لحملات قطرية جزءاً من روايته السياسية.

 

 

8 أكاذيب قالها "نتنياهو" لمقاعد قاعة فارغة في الأمم المتحدة

السبت 26 / سبتمبر / 2026

كنعان- وكالات

في مشهد لافت، ألقى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مساء الخميس، خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما غادرت عشرات الوفود القاعة احتجاجاً على حضوره، لتتحول كلمته التي امتدت لنحو أربعين دقيقة إلى خطاب أمام مقاعد شاغرة، حاول خلاله الدفاع عن سياسات حكومته في قطاع غزة والضفة الغربية، ومهاجمة إيران وقطر وتركيا وفرنسا، إلى جانب توجيه رسائل مباشرة إلى الداخل "الإسرائيلي".

وقبل صعوده إلى المنصة، كان نتنياهو قد تحدث عن "مفاجآت" سيكشف عنها في خطابه، إلا أن الكلمة جاءت في معظمها تكراراً للمواقف التي سبق أن تبنتها حكومته منذ بدء الحرب على قطاع غزة، مع إعادة طرح روايات وادعاءات تتعلق بالمساعدات الإنسانية، وعنف المستوطنين، وأحداث السابع من أكتوبر، والوضع في بيت لحم، إلى جانب محاولة نفي المسؤولية الإسرائيلية عن الظروف التي يعيشها الفلسطينيون. وفيما يلي أبرز ثمانية ادعاءات وردت في خطاب نتنياهو، تتعارض مع بيانات أممية وتحقيقات صحفية ووثائق رسمية تناولت الوقائع نفسها:  قلل عنف المستوطنين  حاول نتنياهو خلال خطابه اختزال اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية في مجموعة محدودة من الشبان، قائلاً إن نحو 150 شخصاً يلقون الحجارة ويقطعون أشجار الزيتون ويشعلون الحرائق أحياناً، مدعياً أن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا جراء هذه الاعتداءات لا يتجاوز شخصين أو ثلاثة. وتظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية صورة مختلفة عن تلك التي قدمها نتنياهو، إذ وثقت المنظمة خلال السنوات الماضية تصاعداً مستمراً في هجمات المستوطنين، وما رافقها من إصابات وقتل وتهجير وإتلاف للممتلكات والأراضي الزراعية، فيما تجاوز عدد الهجمات المسجلة خلال عام 2026 مستويات مرتفعة مقارنة بالأعوام السابقة. ووفق البيانات الأممية، لم تقتصر آثار هذه الاعتداءات على وقوع إصابات أو أضرار مادية، وإنما ساهمت إلى جانب القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين في تهجير عشرات التجمعات الفلسطينية بصورة كلية أو جزئية، الأمر الذي جعل عنف المستوطنين أحد العوامل الرئيسية في تفريغ مناطق فلسطينية من سكانها. كما أن وصف الاعتداءات بأنها أعمال مجموعة محدودة من الشبان يتجاهل أن شخصيات بارزة من الحركة الاستيطانية تشغل مناصب وزارية في حكومة نتنياهو، في وقت تتواصل فيه اعتداءات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية وممتلكات المواطنين وأراضيهم الزراعية. سرقة المساعدات وفي ملف المساعدات الإنسانية، أعاد نتنياهو استخدام الرواية الإسرائيلية التي تتهم حركة حماس بالاستيلاء على الجزء الأكبر من المساعدات التي تدخل قطاع غزة، وهي الرواية التي استخدمتها الحكومة الإسرائيلية في تبرير القيود المفروضة على آليات إدخال وتوزيع المساعدات داخل القطاع. لكن مراجعة أجرتها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية للحوادث التي أبلغ عنها شركاؤها خلال الفترة الممتدة من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى مايو/أيار 2025 لم تجد دليلاً على عملية ممنهجة لسرقة المساعدات من جانب منظمات مصنفة إرهابية. وشملت المراجعة 156 حادثة أبلغ فيها عن سرقة أو فقدان مساعدات، فيما أظهرت النتائج أن أقل من واحد في المئة من المساعدات تأثر بالسرقة أو التحويل أو الهدر، وهو ما يتعارض مع تقديم سرقة معظم المساعدات باعتبارها حقيقة ثابتة يمكن الاستناد إليها لتفسير الأزمة الإنسانية في القطاع. كما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أن الجيش لم يجد دليلاً على قيام حماس بسرقة منهجية للمساعدات من مواقع توزيع الأمم المتحدة، في وقت كانت فيه المنظمات الإنسانية تحذر بصورة متكررة من صعوبة إدخال المساعدات وتوزيعها والوصول إلى السكان المحتاجين إليها. هندسة التجويع  وفي محاولة للرد على الاتهامات المتعلقة بالوضع الإنساني في قطاع غزة، تحدث نتنياهو عن دخول مليوني طن من الغذاء إلى القطاع، إلى جانب تقديم مليون جرعة من لقاح شلل الأطفال، مستخدماً هذه الأرقام لنفي الاتهامات الموجهة إلى حكومته بشأن التجويع والإبادة. غير أن حجم المساعدات التي تقول إسرائيل إنها سمحت بدخولها لا يعكس وحده الوضع الإنساني داخل القطاع، إذ وثقت المنظمات الدولية خلال الحرب صعوبات واسعة في وصول المواد الغذائية إلى السكان، كما سجلت مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي، ووصل الأمر إلى إعلان المجاعة في أجزاء من القطاع خلال مراحل مختلفة من الحرب. وكان التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي قد أعلن في أغسطس/آب 2025 وجود مجاعة في مدينة غزة، في وقت حذرت فيه المنظمات الإنسانية من استمرار سوء التغذية ونقص المواد الأساسية وارتفاع الاحتياجات الإنسانية. أما حملة التطعيم ضد شلل الأطفال التي استشهد بها نتنياهو، فقد نفذتها منظمة الصحة العالمية واليونيسف والأونروا وشركاء صحيون آخرون، وجرت في ظل ترتيبات إنسانية مؤقتة سمحت بتنفيذ الحملة داخل القطاع، ولا يمكن اعتبار تنفيذها دليلاً على أن الظروف الصحية والإنسانية في غزة كانت طبيعية أو أن الاحتياجات الأساسية للسكان كانت مؤمنة.  لا تطابق الأرقام وانتقل نتنياهو في خطابه إلى مدينة بيت لحم، مدعياً أن المدينة كانت ذات أغلبية مسيحية ساحقة عندما كانت تحت السيطرة الإسرائيلية، وأنها تحولت بعد تسليمها إلى السلطة الفلسطينية إلى مدينة ذات أغلبية مسلمة بالنسبة نفسها تقريباً، مع حديثه عن دفع المسيحيين إلى مغادرة المدينة. غير أن الأرقام التاريخية التي تناولت التركيبة السكانية لبيت لحم لا تؤيد وصفها بأنها كانت ذات أغلبية مسيحية ساحقة، إذ تشير بيانات عام 1967 إلى أن عدد سكان المدينة بلغ نحو 14,439 نسمة، شكل المسيحيون منهم 46.1% مقابل 53.9% من المسلمين، فيما ترتفع نسبة المسلمين عند احتساب سكان مخيم اللاجئين ضمن حدود البلدية. وتشير المعطيات المتعلقة بالهجرة المسيحية من بيت لحم إلى عوامل متعددة تراكمت على مدى عقود، من بينها الأوضاع الاقتصادية والسياسية، والاحتلال، ومصادرة الأراضي، والحواجز العسكرية وقيود الحركة والوصول إلى القدس والمناطق الفلسطينية الأخرى. وبذلك فإن اختزال التغير الديموغرافي في بيت لحم باعتباره نتيجة مباشرة لـ"طرد" المسيحيين بعد انتقال إدارة المدينة إلى السلطة الفلسطينية يتجاهل السياق التاريخي والسياسي الأوسع الذي تناولته دراسات وتقارير متعددة حول الهجرة المسيحية الفلسطينية. كذب متجدد وأعاد نتنياهو خلال خطابه استخدام روايات مرتبطة بأحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، من بينها الحديث عن أطفال ورضع أحرقوا أحياء خلال الهجوم، وهي روايات انتشرت على نطاق واسع في الأيام الأولى للحرب قبل أن تخضع أجزاء منها لتحقيقات صحفية إسرائيلية. وتناولت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية تلك الروايات في تحقيقات استندت إلى شهادات وبيانات من مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية وقادة الكيبوتسات والشرطة، وأشارت إلى أن روايات قطع رؤوس الأطفال والرضع التي جرى تداولها لم تقدم عليها أدلة تثبتها بالصورة التي انتشرت بها. كما تناول التحقيق مقتل الرضيعة ميلا كوهين، البالغة عشرة أشهر، والتي قتلت في كيبوتس بئيري بعدما أصيبت برصاصة خلال إطلاق النار على منزل عائلتها، في وقت لم تثبت فيه الروايات التي تحدثت عن أطفال أحرقوا جماعياً أو قطع رؤوس عشرات الأطفال. ورغم ذلك، أعاد نتنياهو طرح تلك الروايات أمام الجمعية العامة، ضمن خطابه الذي سعى من خلاله إلى تثبيت الرواية الإسرائيلية بشأن أحداث السابع من أكتوبر وربطها بتبرير العمليات العسكرية اللاحقة في قطاع غزة.  بعيداً عن سياقه وفي سياق هجومه على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تحدث نتنياهو عن المواطن الفرنسي نتانئيل شكرون، وهو أب لستة أبناء، وقال إنه قتل قبل أيام أثناء زيارة نبع برفقة ابنه، متهماً منفذ العملية بأنه عنصر من حركة حماس أطلق النار عليه من مسافة قريبة. لكن المعطيات التي تناولت الحادثة لم تتضمن إعلاناً رسمياً يثبت تبني حماس للعملية أو يحدد هوية منفذها على النحو الذي عرضه نتنياهو، بينما جاء الحديث عنها في الخطاب باعتبارها واقعة مكتملة التفاصيل والمسؤولية. كما أن تقديم موقع الحادثة باعتباره مجرد نبع يقصده المستوطنون للزيارة أغفل النزاع المستمر على الأرض المحيطة به، إذ يقع النبع قرب مستوطنة حلميش، وقد سيطر المستوطنون على الموقع وأقاموا فيه نشاطات استيطانية وسياحية، فيما منع أصحاب الأراضي الفلسطينيون من الوصول إليه خلال فترات سابقة. وتحمل المنطقة نفسها خلفية مرتبطة بالاستيطان وقيود وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم، وهو سياق لم يظهر في الرواية التي قدمها نتنياهو أمام الجمعية العامة. لا وجود إسرائيلياً وقال نتنياهو إن قطاع غزة لم يكن يضم في السابع من أكتوبر/تشرين الأول أي إسرائيلي، مدنياً كان أو عسكرياً، في محاولة لتقديم القطاع باعتباره منطقة لا وجود إسرائيلياً فيها قبل الهجوم. والقول إن إسرائيل سحبت مستوطنيها وقواتها الدائمة من داخل قطاع غزة عام 2005 صحيح من الناحية المكانية، إلا أن ذلك لا يلغي منظومة السيطرة التي استمرت بعد الانسحاب، بما في ذلك السيطرة على المجال الجوي والمياه الإقليمية، وفرض قيود واسعة على حركة الأشخاص والبضائع، والتحكم في عدد من المعابر، إلى جانب العمليات العسكرية والقيود الأمنية. وفي رأيها الاستشاري الصادر عام 2024، أكدت محكمة العدل الدولية أن التزامات إسرائيل بموجب قانون الاحتلال لم تنتهِ بمجرد الانسحاب من داخل قطاع غزة، وإنما بقيت قائمة بالقدر الذي استمرت فيه إسرائيل في ممارسة السيطرة الفعلية على القطاع. كما أن تقارير سابقة تناولت طبيعة الحصار المفروض على غزة منذ عام 2007، والقيود التي طالت حركة السكان والبضائع، فيما كشفت تقارير أخرى أن السلطات الإسرائيلية كانت تضع قيوداً على كميات المواد الغذائية التي يسمح بدخولها إلى القطاع، بما في ذلك احتساب الحد الأدنى من السعرات الحرارية المطلوبة لتجنب المجاعة الجماعية. اتهام قطر  وفي الجزء الأخير من خطابه، صعّد نتنياهو هجومه على قطر، متهماً إياها بإنفاق مليارات الدولارات للتأثير في الرأي العام الأميركي، وتمويل الجامعات ووسائل الإعلام، وفي مقدمتها قناة الجزيرة، بهدف نشر ما وصفه بـ"الأكاذيب" عن إسرائيل والتأثير في الشباب الأميركي. ورفض المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري هذه الاتهامات، معتبراً أنها محاولة لصرف الانتباه عن السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، ومشيراً إلى أن التغير في مواقف الشباب الأميركي لا يمكن اختزاله في حملات تأثير خارجية. وتظهر استطلاعات الرأي الأميركية بالفعل تغيراً ملحوظاً في مواقف فئات عمرية مختلفة تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ أظهر استطلاع غالوب الصادر في فبراير/شباط الماضي أن أكثر من نصف الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً باتوا يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، للمرة الأولى منذ بدء الاستطلاع، فيما بلغت نسبة المتعاطفين مع الإسرائيليين 23%، وهي النسبة الأدنى التي سجلها الاستطلاع لهذه الفئة. وامتد التغير إلى الفئة العمرية بين 35 و54 عاماً، التي شهدت هي الأخرى تحولاً في اتجاهات التعاطف خلال عام واحد، بما يؤكد أن التغير في الرأي العام الأميركي أصبح اتجاهاً تقيسه استطلاعات الرأي، بينما يبقى تفسير نتنياهو لهذا التحول باعتباره نتيجة مباشرة لحملات قطرية جزءاً من روايته السياسية.