رماة أُحُد على المستطيل الأخضر

رماة أُحُد على المستطيل الأخضر

​بقلم: زينة شعت

​ثلاثة أهداف أرجنتينية مقابل هدفين لمصر.. لم تكن الحكاية قلة حيلة، بل طعنةً مباغتة سددها "الفرح المبكر" حين أفرغ النفوس من حذرها الشفيف.

​ما جرى في الدقائق الأخيرة كان درساً قاسياً، يدمج فقه المعارك بأصول المباريات: النصر كالحب، لا يصح الاحتفال به قبل الصافرة الأخيرة، وجبل التركيز لا يُترك أبداً، خاصة في الثواني العجاف.

​هنا في غزة، حيث الحروب المتلاحقة لا تترك متسعاً للأنفاس، فرّت العيون الليلة من ضيق الحصار وركام البيوت المستباحة إلى رحابة الشاشة.

​التقدم بهدفين نظيفين خلال الشوط الأول لم يكن مجرد أرقام جافة؛ كان هدنةً روحية، مجرد استراحة محارب مؤقتة. انطلقت لأجله هتافات حارة، وزغاريد حاصرت خيام النزوح، وقُرعت الطبول في زوايا المخيم الساعي لسرقة لحظة فرح مشتهاة.

​كنا، وبكل جوارحنا، مستعدين لابتسامة الليلة، لكن الخيبة اغتالت الأمل في أنفاسه الأخيرة.. كأن الفرح في عرف هذا العالم بات تهمة، أو كأن قدر غزة ألا تنال حتى الثواني العابرة من الابتهاج!
​تماشياً مع نواميس التاريخ المعقدة، تكررت خطيئة "رُماة أُحُد" بحذافيرها النفسية والفنية، لكن هذه المرة فوق المستطيل الأخضر، وتحديداً بعد الهدف المصري الثاني.

​فبدلاً من الاستمرار في الأداء المعتاد والتوازن بين الهجوم والدفاع، اختار الفراعنة تراجعاً دفاعياً مبالغاً فيه، مراهنين على إغلاق المساحات حول خط الـ 18؛ وهو وهمٌ تكتيكي، إذ لا يمكن إغلاق هذا العمق بشكل كامل أمام خصم يمتلك الحلول. هذا التنازل الطوعي عن المبادرة منح الأرجنتين الفرصة لاستغلال كامل طاقتها وضغطها المستمر.

​لو حافظ المصريون على شجاعتهم الهجومية، لكان بإمكانهم اقتناص هدف ثالث كفيل بقلب كل الموازين وإنهاء المباراة إكلينيكياً.

​لكن الاستسلام التكتيكي عزل الخطوط، وحين اهتزت الشباك بالهدف الأول، وقعت الصدمة النفسية العكسية؛ استحال الزهو ذعراً، وغابت الرقابة وسوء التمركز, فانقضّ الخصم لينتزع مجداً كان قاب قوسين أو أدنى من أيدينا.

​ولم تكن الأخطاء التكتيكية وحدها غريمتنا الليلة؛ بل اكتملت فصول الدراما بظلم تحكيمي فجّ أثار حفيظة مجتمع الكرة العالمي ومحلليه؛ إذ اعتبر "إبراهيموفيتش" إلغاء هدف مصر الشرعي ومنح الأفضلية للأرجنتين أمراً غير مفهوم، وصفه "آلان شيرر" بـ "الهراء" لعدم المساواة في القرارات، بينما أشار "كلاوديو لوبيز" إلى تغاضي الحكم عن مخالفة صريحة لصالح صلاح سبقت الهدف الثالث.

​هذا التحيز دفع "مورينيو" للقول بأن مصر واجهت الحكم والـ VAR وسيناريو البطولة ولم تواجه كرة قدم، ليلخص "ريو فرديناند" و"توماس رونسيرو" المشهد بأن الفراعنة قدموا مباراة عظيمة لكن "لم يُسمح لهم بالفوز" في غيابٍ تام للعدالة.

​رغم المرارة التي عادت وعشعشت في أزقة المخيم بعد صخب الأمل، ستبقى هذه الملحمة الكروية في عيون فلسطين فوزاً مغلفاً بدرس بليغ.

​فوزٌ أثبت مجدداً أن هذه الأمة، رغم ثحن جراحها، يجمعها الفرح كما يجمعها الدم، وتوحدها النبضة الواحدة خلف الشاشات. إنها قادرة دائماً على مقارعة الكبار والصعود للقمم.. شريطة ألا يغادر الرماة جبلهم مجدداً، حتى اللحظة الأخيرة.

رماة أُحُد على المستطيل الأخضر

الأربعاء 08 / يوليو / 2026

​بقلم: زينة شعت

​ثلاثة أهداف أرجنتينية مقابل هدفين لمصر.. لم تكن الحكاية قلة حيلة، بل طعنةً مباغتة سددها "الفرح المبكر" حين أفرغ النفوس من حذرها الشفيف.

​ما جرى في الدقائق الأخيرة كان درساً قاسياً، يدمج فقه المعارك بأصول المباريات: النصر كالحب، لا يصح الاحتفال به قبل الصافرة الأخيرة، وجبل التركيز لا يُترك أبداً، خاصة في الثواني العجاف.

​هنا في غزة، حيث الحروب المتلاحقة لا تترك متسعاً للأنفاس، فرّت العيون الليلة من ضيق الحصار وركام البيوت المستباحة إلى رحابة الشاشة.

​التقدم بهدفين نظيفين خلال الشوط الأول لم يكن مجرد أرقام جافة؛ كان هدنةً روحية، مجرد استراحة محارب مؤقتة. انطلقت لأجله هتافات حارة، وزغاريد حاصرت خيام النزوح، وقُرعت الطبول في زوايا المخيم الساعي لسرقة لحظة فرح مشتهاة.

​كنا، وبكل جوارحنا، مستعدين لابتسامة الليلة، لكن الخيبة اغتالت الأمل في أنفاسه الأخيرة.. كأن الفرح في عرف هذا العالم بات تهمة، أو كأن قدر غزة ألا تنال حتى الثواني العابرة من الابتهاج!
​تماشياً مع نواميس التاريخ المعقدة، تكررت خطيئة "رُماة أُحُد" بحذافيرها النفسية والفنية، لكن هذه المرة فوق المستطيل الأخضر، وتحديداً بعد الهدف المصري الثاني.

​فبدلاً من الاستمرار في الأداء المعتاد والتوازن بين الهجوم والدفاع، اختار الفراعنة تراجعاً دفاعياً مبالغاً فيه، مراهنين على إغلاق المساحات حول خط الـ 18؛ وهو وهمٌ تكتيكي، إذ لا يمكن إغلاق هذا العمق بشكل كامل أمام خصم يمتلك الحلول. هذا التنازل الطوعي عن المبادرة منح الأرجنتين الفرصة لاستغلال كامل طاقتها وضغطها المستمر.

​لو حافظ المصريون على شجاعتهم الهجومية، لكان بإمكانهم اقتناص هدف ثالث كفيل بقلب كل الموازين وإنهاء المباراة إكلينيكياً.

​لكن الاستسلام التكتيكي عزل الخطوط، وحين اهتزت الشباك بالهدف الأول، وقعت الصدمة النفسية العكسية؛ استحال الزهو ذعراً، وغابت الرقابة وسوء التمركز, فانقضّ الخصم لينتزع مجداً كان قاب قوسين أو أدنى من أيدينا.

​ولم تكن الأخطاء التكتيكية وحدها غريمتنا الليلة؛ بل اكتملت فصول الدراما بظلم تحكيمي فجّ أثار حفيظة مجتمع الكرة العالمي ومحلليه؛ إذ اعتبر "إبراهيموفيتش" إلغاء هدف مصر الشرعي ومنح الأفضلية للأرجنتين أمراً غير مفهوم، وصفه "آلان شيرر" بـ "الهراء" لعدم المساواة في القرارات، بينما أشار "كلاوديو لوبيز" إلى تغاضي الحكم عن مخالفة صريحة لصالح صلاح سبقت الهدف الثالث.

​هذا التحيز دفع "مورينيو" للقول بأن مصر واجهت الحكم والـ VAR وسيناريو البطولة ولم تواجه كرة قدم، ليلخص "ريو فرديناند" و"توماس رونسيرو" المشهد بأن الفراعنة قدموا مباراة عظيمة لكن "لم يُسمح لهم بالفوز" في غيابٍ تام للعدالة.

​رغم المرارة التي عادت وعشعشت في أزقة المخيم بعد صخب الأمل، ستبقى هذه الملحمة الكروية في عيون فلسطين فوزاً مغلفاً بدرس بليغ.

​فوزٌ أثبت مجدداً أن هذه الأمة، رغم ثحن جراحها، يجمعها الفرح كما يجمعها الدم، وتوحدها النبضة الواحدة خلف الشاشات. إنها قادرة دائماً على مقارعة الكبار والصعود للقمم.. شريطة ألا يغادر الرماة جبلهم مجدداً، حتى اللحظة الأخيرة.