طلب الطلاق بسبب مرض الزوج.. بين فقه الأحكام وفقه الحياة

طلب الطلاق بسبب مرض الزوج.. بين فقه الأحكام وفقه الحياة

بقلم: د. مسعود صبري

في أروقة المحاكم هناك قضايا طلب طلاق، تقدمت به زوجات، وذلك بسبب عدم قدرة الزوج على النفقة، ومن ذلك إصابة الزوج بمرض لم يجعله قادراً على العمل بعد عِشْرة دامت سنوات، كان الزوج يقوم بواجباته الزوجية، لكنه تعرض لحادث مما أقعده عن العمل، فتقدمت زوجته بطلب الطلاق للضرر، وأنها لا تقوى على الصبر مع رجل عاجز عن الحركة، مع عدم قدرتها على تحمله والعناية به، وأنها اختارت طلب الطلاق حتى لا تبقى طوال حياتها هكذا، وأنها تسعى إلى حياة جديدة.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات وبيانات دقيقة في العالم العربي حول قضايا الطلاق للضرر، فإن التشريعات آخذة في التزايد في حق المرأة أن تطلب الطلاق للضرر بأي شكل كان، مع وجود صعوبات تقابل القضاء في الكيفية والآليات والإجراءات التي تثبت وقوع الضرر على الزوجة، مع الإقرار أن نسبة الطلاق للضرر تعد حالات قليلة مقارنة بالزوجات الصابرات على أنواع كثيرة من الضرر واقعة عليهن، لكنهن يؤثرن الصبر والبقاء مع الزوج؛ حفاظاً على أسرتهن.

وفي مثل الحالة المشار إليها من طلب المرأة الطلاق من زوجها بسبب إصابته بالمرض وعدم قدرته على النفقة، فالفقهاء لا يسارعون في جواز طلب الطلاق إلا إذا لم يكن هناك سبيل للنفقة على الزوجة؛ لأن الإنفاق من قبل الزوج على زوجته حق من حقوقها، وذهب بعضهم إلى جواز أن تستدين على ذمته، ولا تطلب الطلاق، هذا إذا لم يكن له مال، أما إن كان له مال ظاهر، كأن تكون له أموال مدخرة، أو يملك أصولاً كالعقارات أو الأراضي، فيبيعها القاضي عليه، ويوجب النفقة منها على الزوجة، وساعتها لا يجوز للمرأة طلب الطلاق.

أما إذا لم يكن له مال ظاهر، فقد أعطت بعض المذاهب الفقهية الحق للزوجة في أن تصبر أو تطلب الطلاق من القاضي، وعلى القاضي أن يوافق على طلبها؛ لأن عدم الإنفاق عليها إخلال بعقد الزوجية، كما هو مذهب المالكية والحنابلة، وعدد من فقهاء السلف، مثل: عمر، وعليّ، وأبي هريرة، رضي الله عنهم، وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبدالعزيز.. وغيرهم.

شروط طلب الطلاق للضرر بعدم الإنفاق

لكن من أجاز من الفقهاء للمرأة أن تطلب الطلاق، اشترطوا عدة شروط، من أهمها: إثبات عدم قدرة الزوج على الإنفاق، وألا يكون الزوج قادراً على نفقة المعسرين، وهي الطعام والكسوة، فإن كان قادراً على تدبير الطعام والكسوة والأمور الأساسية والحد الأدنى من المعيشة؛ فلا يجوز للمرأة طلب الطلاق للضرر بعدم الإعسار وعدم النفقة، واختلفوا في الإعسار بالمسكن.

ومن الشروط، أيضاً، ألا يكون له مال ظاهر تنفق منه، وأن يكون طلب الطلاق على النفقة القادمة لا النفقة القديمة؛ لأن النفقة القديمة دَيْن في رقبته، فإن كان قادراً على النفقة الحاضرة، فلا يجوز لها طلب الطلاق، وألا يظهر منها الرضا بالحياة الزوجية مع الإعسار، وقيل: بل لها ذلك.

أما إن كان الزوج مريضاً، لكن عنده ما ينفق به على الزوجة، وأن هذا المرض لا يمنع المرأة من حقها الشرعي، فليس للمرأة طلب الطلاق؛ لأنه يقوم بنفقته، كما أنه يقوم بحقها الواجب شرعاً.

هذا من جهة فقه الأحكام الشرعية، وما يجوز فيه للمرأة أن تطلب الطلاق، وما لا يجوز لها.

فقه الحياة

أما من جهة فقه الحياة، فإنه يستحب للمرأة الصبر على مرض زوجها إن كانت قادرة على ذلك، ولن يصيبها أذى في دينها ولا في نفسها من تلك الحالة، وهي محتسبة عند الله تعالى صابرة لها أجرها، كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10)، وبخاصة إذا كان يرجى الشفاء لزوجها.

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على أن تصبر المرأة على زوجها، كما ورد في سنن الترمذي: "لا يخشى الله من ثلاث: المؤمن الجواد، والمسلم المؤمن بقول الله، والمرأة الصالحة الودود الرحيم بأبنائها وزوجها، لا يكون المرء كالدابة تلهو بأهوائها وتأكلها، ولا كالحية تلدغ من تعيش معه".

والشريعة تراعي الفطرة والواقع، فلا تلزم المرأة على الحياة إن لم تكن قادرة، على أن تتمهل حتى لا تندم، فاتخاذ مثل هذا القرار الصعب يحتاج إلى تأنٍّ ومشورة وتصبر أولاً، لكنها إن خشيت على دينها ونفسها، فلها ذلك، ولكن الأولى أن تتحلى بالصبر إن كانت قادرة عليه، ولا تدري إن طلقت وتزوجت مرة أخرى فعلها تندم لاحقاً، فكان واجباً على المرأة أن تدرس الأمر من جميع جوانبه، وأن تأخذ ما تراه أحب إلى الله ثم الأنسب لنفسها؛ احتساباً أو رفعاً للضرر.

ولكن لا تلتفت إلى ما تشيعه بعض النساء من ثقافة توسيع الطلاق، أو الطلاق على أتفه الأسباب، وأن تتجنب الدعوى بأن تعيش المرأة لنفسها، وأن نفسها أهم من أي أحد حتى من أولادها، فحياة المرأة مع الأسرة والزوج مع منغصات مقدور عليها خير من حياتها وحيدة بين جدران ووحدة، وما في ذلك من ضرر أكبر من ضرر بقائها مع ضيق عيش أو مشقة يتصبر عليها، فالمرء لا ينال كل شيء في الحياة، فالصبر الصبر والتدرب على تحمل مصاعب الحياة، فإن أبغض الحلال عند الله الطلاق.

طلب الطلاق بسبب مرض الزوج.. بين فقه الأحكام وفقه الحياة

الأحد 25 / يناير / 2026

بقلم: د. مسعود صبري

في أروقة المحاكم هناك قضايا طلب طلاق، تقدمت به زوجات، وذلك بسبب عدم قدرة الزوج على النفقة، ومن ذلك إصابة الزوج بمرض لم يجعله قادراً على العمل بعد عِشْرة دامت سنوات، كان الزوج يقوم بواجباته الزوجية، لكنه تعرض لحادث مما أقعده عن العمل، فتقدمت زوجته بطلب الطلاق للضرر، وأنها لا تقوى على الصبر مع رجل عاجز عن الحركة، مع عدم قدرتها على تحمله والعناية به، وأنها اختارت طلب الطلاق حتى لا تبقى طوال حياتها هكذا، وأنها تسعى إلى حياة جديدة.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات وبيانات دقيقة في العالم العربي حول قضايا الطلاق للضرر، فإن التشريعات آخذة في التزايد في حق المرأة أن تطلب الطلاق للضرر بأي شكل كان، مع وجود صعوبات تقابل القضاء في الكيفية والآليات والإجراءات التي تثبت وقوع الضرر على الزوجة، مع الإقرار أن نسبة الطلاق للضرر تعد حالات قليلة مقارنة بالزوجات الصابرات على أنواع كثيرة من الضرر واقعة عليهن، لكنهن يؤثرن الصبر والبقاء مع الزوج؛ حفاظاً على أسرتهن.

وفي مثل الحالة المشار إليها من طلب المرأة الطلاق من زوجها بسبب إصابته بالمرض وعدم قدرته على النفقة، فالفقهاء لا يسارعون في جواز طلب الطلاق إلا إذا لم يكن هناك سبيل للنفقة على الزوجة؛ لأن الإنفاق من قبل الزوج على زوجته حق من حقوقها، وذهب بعضهم إلى جواز أن تستدين على ذمته، ولا تطلب الطلاق، هذا إذا لم يكن له مال، أما إن كان له مال ظاهر، كأن تكون له أموال مدخرة، أو يملك أصولاً كالعقارات أو الأراضي، فيبيعها القاضي عليه، ويوجب النفقة منها على الزوجة، وساعتها لا يجوز للمرأة طلب الطلاق.

أما إذا لم يكن له مال ظاهر، فقد أعطت بعض المذاهب الفقهية الحق للزوجة في أن تصبر أو تطلب الطلاق من القاضي، وعلى القاضي أن يوافق على طلبها؛ لأن عدم الإنفاق عليها إخلال بعقد الزوجية، كما هو مذهب المالكية والحنابلة، وعدد من فقهاء السلف، مثل: عمر، وعليّ، وأبي هريرة، رضي الله عنهم، وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبدالعزيز.. وغيرهم.

شروط طلب الطلاق للضرر بعدم الإنفاق

لكن من أجاز من الفقهاء للمرأة أن تطلب الطلاق، اشترطوا عدة شروط، من أهمها: إثبات عدم قدرة الزوج على الإنفاق، وألا يكون الزوج قادراً على نفقة المعسرين، وهي الطعام والكسوة، فإن كان قادراً على تدبير الطعام والكسوة والأمور الأساسية والحد الأدنى من المعيشة؛ فلا يجوز للمرأة طلب الطلاق للضرر بعدم الإعسار وعدم النفقة، واختلفوا في الإعسار بالمسكن.

ومن الشروط، أيضاً، ألا يكون له مال ظاهر تنفق منه، وأن يكون طلب الطلاق على النفقة القادمة لا النفقة القديمة؛ لأن النفقة القديمة دَيْن في رقبته، فإن كان قادراً على النفقة الحاضرة، فلا يجوز لها طلب الطلاق، وألا يظهر منها الرضا بالحياة الزوجية مع الإعسار، وقيل: بل لها ذلك.

أما إن كان الزوج مريضاً، لكن عنده ما ينفق به على الزوجة، وأن هذا المرض لا يمنع المرأة من حقها الشرعي، فليس للمرأة طلب الطلاق؛ لأنه يقوم بنفقته، كما أنه يقوم بحقها الواجب شرعاً.

هذا من جهة فقه الأحكام الشرعية، وما يجوز فيه للمرأة أن تطلب الطلاق، وما لا يجوز لها.

فقه الحياة

أما من جهة فقه الحياة، فإنه يستحب للمرأة الصبر على مرض زوجها إن كانت قادرة على ذلك، ولن يصيبها أذى في دينها ولا في نفسها من تلك الحالة، وهي محتسبة عند الله تعالى صابرة لها أجرها، كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10)، وبخاصة إذا كان يرجى الشفاء لزوجها.

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على أن تصبر المرأة على زوجها، كما ورد في سنن الترمذي: "لا يخشى الله من ثلاث: المؤمن الجواد، والمسلم المؤمن بقول الله، والمرأة الصالحة الودود الرحيم بأبنائها وزوجها، لا يكون المرء كالدابة تلهو بأهوائها وتأكلها، ولا كالحية تلدغ من تعيش معه".

والشريعة تراعي الفطرة والواقع، فلا تلزم المرأة على الحياة إن لم تكن قادرة، على أن تتمهل حتى لا تندم، فاتخاذ مثل هذا القرار الصعب يحتاج إلى تأنٍّ ومشورة وتصبر أولاً، لكنها إن خشيت على دينها ونفسها، فلها ذلك، ولكن الأولى أن تتحلى بالصبر إن كانت قادرة عليه، ولا تدري إن طلقت وتزوجت مرة أخرى فعلها تندم لاحقاً، فكان واجباً على المرأة أن تدرس الأمر من جميع جوانبه، وأن تأخذ ما تراه أحب إلى الله ثم الأنسب لنفسها؛ احتساباً أو رفعاً للضرر.

ولكن لا تلتفت إلى ما تشيعه بعض النساء من ثقافة توسيع الطلاق، أو الطلاق على أتفه الأسباب، وأن تتجنب الدعوى بأن تعيش المرأة لنفسها، وأن نفسها أهم من أي أحد حتى من أولادها، فحياة المرأة مع الأسرة والزوج مع منغصات مقدور عليها خير من حياتها وحيدة بين جدران ووحدة، وما في ذلك من ضرر أكبر من ضرر بقائها مع ضيق عيش أو مشقة يتصبر عليها، فالمرء لا ينال كل شيء في الحياة، فالصبر الصبر والتدرب على تحمل مصاعب الحياة، فإن أبغض الحلال عند الله الطلاق.