برز انقسام كيان الاحتلال "الإسرائيلي" بشكل واضح جدًا بعد أن بدأت حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، مباشرة في أعقاب تشكيلها نهاية عام 2022، بتنفيذ ما وصفته بخطة "الإصلاح القضائي" بهدف إجراء تغييرات في الجهاز القضائي، من خلال سن مجموعة واسعة من القوانين، لكن الانقسام في هذا الكيان بدأ قبل ذلك بعدة سنوات، عندما جرت أربع جولات انتخابية خلال السنوات 2019 – 2021، دون النجاح في تشكيل حكومة، بسبب رفض الأحزاب الصهيونية في المعارضة الانضمام إلى حكومة يشكلها نتنياهو على إثر تقديم لائحة اتهام ضده بمخالفات فساد.
النفور والنزاعات بين فئات الكيان "الإسرائيلي" ليست جديدة، كونه مجتمع مهاجرين بالأساس، وغالبيته العظمى ليست من سكان البلاد الأصليين. فقد ساد في "إسرائيل" منذ تأسيسها نفور واضح بين اليهود الأشكناز واليهود الشرقيين، وكذلك بين اليهود العلمانيين واليهود الحريديين، والذي اشتد الآن بشكل بالغ على خلفية الخطوات القانونية التي تهدف إلى فرض التجنيد الإلزامي للجيش على الحريديين، وتزايد مطالب العلمانيين بإدخالهم إلى سوق العمل، ووصف الحريديين بأنهم عبء على الاقتصاد، والمطالب بتغيير مناهج التعليم في جهاز التعليم الحريدي الذي لا تُدرس فيه المواضيع الأساسية مثل اللغات والعلوم.
بروفيسور دان بن دافيد، الباحث في الاقتصاد الكلي في جامعة تل أبيب، ومؤسس معهدي الأبحاث "طاوب" و"شوريش"، وأحد أبرز الباحثين "الإسرائيليين" في العلاقة بين المجتمع والاقتصاد، يحذر منذ حوالي ثلاثين عامًا من أن وضع الكيان يقود "إسرائيل" "إلى الضياع"، وكأن إسرائيل تتآكل من الداخل.
ويحذر بن دافيد، الآن، من أن "الانتخابات القريبة ستكون الأهم في تاريخ "إسرائيل"، وعلى ما يبدو أنها ستكون الفرصة الأخيرة أيضًا من أجل إجراء تغييرات كبيرة". وقال إنه يعبر عن ذلك خلال لقاءاته مع رؤساء أحزاب المعارضة ومع صناع القرار في القطاع العام الذين يدعونه إلى إلقاء محاضرات، ويستعرض خلالها معطيات حول خطورة وضع "إسرائيل".
وشدد في مقابلة معه نشرها موقع "زْمان يسرائيل" الإلكتروني، الأسبوع الماضي، على أن "السنوات الثلاث الأخيرة كانت عرضًا مسبقًا لكيف سيبدو مستقبلنا. وإذا لم نعرف كيف نستغل الغضب السائد اليوم، سييأس أشخاص كثيرون وسيغادرون البلاد، رغم أنه ليس جيدًا أن يكون المرء يهوديًا، وخاصة "إسرائيليًا"، في خارج البلاد (بعد الحرب على غزة)، فالوضع يزداد صعوبة، ويوجد سبب لماذا أقاموا هذه "الدولة". وهذه فرصتنا الأخيرة. وهذا يعني أن علينا تنفيذ أمور كبيرة، ونحن بحاجة لقادة كبار من أجل تنفيذ ذلك".
حسب معطيات دائرة الإحصاء المركزية "الإسرائيلية"، فإن الهجرة من إسرائيل اتسعت بشكل ملحوظ منذ تشكيل حكومة نتنياهو الحالية، وخاصة بسبب تشكيلة الحكومة المؤلفة من الأحزاب الحريدية والأحزاب اليمينية المتطرفة الغيبية. وقال بن دافيد إنه "حذرت منذ 26 أو 27 عامًا من هذه التطورات، والمعطيات كانت موجودة على الطاولة وكانت واضحة جدًا دائمًا. لكن المعطيات الحالية تدل على سرعة التغيرات".
وأضاف أن التحولات الاجتماعية في "إسرائيل" كانت صغيرة وبطيئة، "لكننا أصبحنا الآن قبل التحول الكبير والنهائي". وأوضح أنه "فيما يتعلق بقضية الحريديين على سبيل المثال، فإن نسبتهم بين السكان تتضاعف كل 25 سنة، أي في كل جيل. واليوم لا يوجد حريديون بالغون كثيرون. ونسبتهم بين أبناء 50 – 54 عامًا 6% من السكان. لكن أحفادهم أصبحوا 26% من السكان. وبعد جيل واحد سيصبحون نصف السكان. أي بعد 25 عامًا، وهذه ليست فترة طويلة. نصف الأطفال في "إسرائيل" سيُولدون في عائلات حريدية".
وتابع أن "هؤلاء الأطفال سيكونون في المدارس غدًا. ويفترض أن يخرجوا إلى سوق العمل بعد غد. وإذا لم يحصلوا على الأدوات المطلوبة لسوق العمل ولا يحصلوا على الأدوات المطلوبة للمواطن في نظام ديمقراطي ليبرالي، وبالمناسبة ليس هم فقط، إذ يوجد أطفال كثيرون في "إسرائيل" لا يدركون هذا الأمر، فستواجه إسرائيل صعوبة في البقاء".
وأشار بن دافيد إلى أنه لأن الحريديين سيشكلون أغلبية، سيفوزون بالانتخابات "وسيقولون إن بإمكانهم أن يفعلوا ما يشاؤون، لأنهم لا يدركون الفرق بين حكم الأغلبية واستبداد الأغلبية. لكن عندما تتحدث معهم، فإن المحادثة تكون أشبه بمشجعي كرة القدم، ويقولون 'أنا باقٍ في فريقي، وليس مهمًا ماذا سيحدث'. الأمر الحاسم هنا هو الهوية الفئوية".
طرف الجبل الجليدي
قال بن دافيد إنه "آمل بعد الصدمة التي أصبنا بها في السنوات الأخيرة، أن يكون هناك عدد كاف من الأشخاص في الجانب الآخر (أحزاب المعارضة) الذين سيصحون. ولا تزال توجد أغلبية في "إسرائيل" بإمكانها العمل من أجل التغيير، وخاصة إذا وصلنا إلى الانتخابات المقبلة مع خطة عمل واضحة. ويجب أن تشمل انقلابًا مطلقًا في مجال التعليم، وانقلابًا في مجال الميزانيات، وتغيير طريقة الحكم ودستور. أربعة أمور كبيرة فحسب".
ويدعو بن دافيد إلى منع ميزانيات عن مؤسسات التعليم الحريدية التي لا تدرس المواضيع الأساسية، مثل اللغات والعلوم، وحظر مطلق على تدخل الأحزاب الحريدية في مناهج التعليم، وتحسين مكانة المعلمين، وقال إنه يجب إغلاق وزارة التربية والتعليم بشكلها الحالي وإقامة وزارة تعليم جديدة مكانها، وإلغاء جميع المخصصات التي تدفعها الدولة الآن للحريديين وتشجعهم على عدم العمل.
وأشار إلى أن الحكومة الحالية رفعت الميزانيات للحريديين. "لقد حدث هنا أمر دراماتيكي في السنوات الثلاث الأخيرة. والناس تدرك ذلك لأنها انكشفت على طرف الجبل الجليدي. وهم لا يدركون كيف يبدو الجبل الجليدي نفسه. ولا يدركون بأي سرعة ستتغير الأمور هنا".
وأضاف أن "هذه الحكومة قدمت لنا عمليًا عرضًا مسبقًا لكيف سيكون الوضع في المستقبل. كيف ستبدو الحياة في إسرائيل إذا استمررنا في هذا المسار. فجميع شركاء الليكود ونتنياهو في هذا الائتلاف هم من القطاعات الأكثر خصوبة في الولادة الأكبر في إسرائيل. الحريديون يلدون 6.4 أطفال بالمتوسط، وأنصار سموتريتش وبن غفير يلدون 6.1 أطفال".
وأردف أنه "لهذا السبب علينا أن ننفذ التغيير الدراماتيكي الذي نتحدث عنه. لأن تغيير الحكومة ليس كافيًا. واضح أن هذا شرط ضروري، لكنه ليس كافيًا. المطلوب هو انقلاب في التعليم وليس إصلاحًا آخر. وإذا لم ننفذ ذلك، فإني لا أرى مخرجًا آخر".
وأوضح بن دافيد أن الوضع الحالي هو "عرض مسبق فحسب، لأنه يوجد هنا رئيس حكومة متهم بمخالفات جنائية، ورئيس حكومة لا يوافق أي حزب طبيعي على الاقتراب منه، وأقام تحالفًا مع جميع العنصريين في الكنيست. وبالصدفة لديهم أغلبية الآن. وفي المستقبل هم لن يحتاجوا إلى مجرم يتعاون معهم، وستكون لديهم أغلبية خاصة بهم".
وحذر من أنه "إذا لم نغير المسار الذي نتحرك فيه، ستكون لديهم أغلبية واضحة وبإمكانهم أن يفعلوا كل شيء. ونحن نرى منذ الآن ماذا يريدون أن يفعلوا وكيف يريدون أن ينفذوا ذلك. لذلك أقول إن ما يحدث الآن هو عرض مسبق. ولا يزال بالإمكان الآن طردهم ومحاولة التصحيح. وفي المستقبل، هذا لن يكون متاحًا أكثر".
وأضاف أن "الدستور وتغيير طريقة الانتخابات التي نتحدث عن ضرورتها ليست الأمور المركزية. الهدف هو كسب الوقت لإجراء انقلاب في التعليم كي لا نجد أنفسنا بعد جيل أو اثنين في فترة رهيبة أكثر من تلك التي مررنا بها في السنوات الأخيرة. هذا هو الأمر المركزي".
ووفقًا لبن دافيد، فإن "نسبة بقاء الأفراد في مجتمعاتهم هي لدى الحريديين، فهم لا يسمحون لشبانهم أن يعلموا أن الحياة ليست كفرًا خارج مجتمعهم. وليس بإمكانك الخروج من المجتمع الحريدي لأنك لم تحصل على أدوات تسمح لك بالخروج. 13% فقط من الحريديين يغادرون، وغالبًا يتحولون إلى متدينين أو محافظين. وقلائل جدًا يتوقفون عن كونهم حريديين ويصبحون علمانيين".
وأضاف أن "المجموعة الثانية التي تحافظ على قوتها هم العلمانيون. 86% منهم يبقون علمانيين. والآخرون يتحولون غالبًا إلى محافظين أو متدينين. وقلائل منهم يصبحون حريديين. والمجموعات التي تتغير هم المحافظون، الذين يفقدون الثلث تقريبًا الذي تتحول غالبيته العظمى إلى علمانيين. وقلائل منهم يصبحون متدينين. ونصف المتدينين يتغيرون ومعظمهم يصبحون محافظين و10% تقريبًا يصبحون علمانيين".
لكن بن دافيد يقول إن "المشكلة الأكبر في إسرائيل ليست الحريديين. والمشكلة أوسع بكثير. فنصف الأولاد في إسرائيل يحصلون على تعليم بمستوى عالم ثالث. ليس الحريديين فقط. العرب أيضًا. وفي المناطق التي تقع خارج وسط إسرائيل. والمحرك الأكبر هنا هو القصة الحريدية بلا شك، لكن القضية أكبر منهم بكثير. ويجب إجراء تصحيح أكبر بكثير هنا".
وقدم بن دافيد معطيات حول أربع مدن، هي القدس وبيت شيمش وعراد ومستوطنة \"غفعات زئيف\"، التي تراجعت في التدريج الاجتماعي – الاقتصادي بشكل كبير، "القاسم المشترك بينها أنها تحولت إلى مدن حريدية بشكل سريع. وخلال 25 سنة فرغت هذه المدن من سكان غير حريديين. فقد جاءت إليها مجموعة حريدية وألقت بجميع المجموعات الأخرى إلى خارجها. الحريديون ليسوا متسامحين تجاه الآخرين. يبصقون عليهم في الشوارع، يرشقونهم بالحجارة، يزعجون. ولا يمكنك البقاء معهم".
وقدم معطيات أخرى تفيد بأن 287 مواطنًا، أي 3% من السكان، يعملون في الهايتك ويحافظون على اقتصاد الدولة، أو الطب ويحافظون على الجهاز الصحي بمستوى معقول، أو في السلك الأكاديمي الرفيع الذي يؤهل الجيل المقبل من الأطباء والمهندسين وغيرهم. "إذا قرر بضع عشرات آلاف فقط من هؤلاء أنهم ليسوا قادرين على العيش في إسرائيل أكثر، فإن تأثير هجرتهم سيكون دراماتيكيًا، وسيتم الشعور بنقصهم في كل ركن".
المصدر / عرب 48