10:52 ص - الإثنين 29 / نوفمبر / 2021
  • دولار أمريكي 3.18 شيكل
  • دينار أردني 4.50 شيكل
  • يورو 3.54 شيكل
  • جنيه مصري 0.20 شيكل

الاحتكار والاستغلال والغش أدوات قاتلة حرمها الإسلام

رغم الدعوة  المستمرة والمتواصلة الى تحرى الحلال في العمل والكسب فإننا نرى أسعار السلع والخدمات لا تزال تزداد يومًا بعد يومًا بصورة هستيرية، ففي خلال أيام معدودات يمكننا أن نرصد تضاعف أسعار بعض السلع أضعافًَا مضاعفة، دون حاجة ضرورية لهذه الزيادة وفى ذلك خطورة شديدة على المجتمع عامة وعلى التجار خاصة.

أولا: خطورة ذلك على الناس عامة فبعض التجار -إلا من رحم الله- غرضهم الأساسي الربح، وتراهم يسلكون من أجل ذلك كل مسلك، سواء أكان بطريق الحلال أم الحرام، وسواء أكان في ذلك استغلال للمواطنين أم لا، وما قضايا الاحتكار والغش التجاري عنا ببعيد، فهي كثيرة ومنتشرة بين التجار الذين لا يراعون فقر المستهلكين ولا حاجتهم، بل يزيدون أموالهم يومًا بعد يوم بمص دماء الفقراء والمحتاجين واستغلال حاجتهم للسلع الأساسية، وهذا يدفع بالفقراء في دوامة من العمل لا تنتهي، فبدلاً من أن يعمل عملاً صباحيًا يكفيه وأسرته؛ ثم يتفرغ بعدها لتربية أبنائه التربية الصحيحة، فإنه لا يكتفي بعمل واحد، بل يسعى للبحث عن عمل ثانٍ وثالث ليسد نفقة الأبناء وتعليمهم وإطعامهم وكسوتهم وعلاجهم، وهذا بالتأكيد يؤثر تأثيرًا سلبيًا على الأبناء وعلى تربيتهم التربية السليمة، وبالتالي يتأثر المجتمع بذلك تأثرًا بالغًا فيصبح مجتمعًا ماديًا بحتًا يلهث وراء المادة ولا يعرف للروحانيات سبيلاً.

وبالتالي يزداد الهم والحزن الذي ينتاب المواطنين البسطاء -وما أكثرهم- حول إطعام أبنائهم وأهليهم أو كسوتهم، وليت الغلاء الفاحش الذى نعيشه متعلق بالكماليات فيستغنوا عنها، ولكنها احتياجاتهم الضرورية التي لا يستطيعون منها فكاكًا، فالطعام والشراب والكسوة والدواء من الأمور التي لا يستغني عنها بشر، وإذا حورب الإنسان في رزقه وزاد التجار في أسعار السلع رغمًا عنه ودون مراعاة لقدراته المادية فإنهم بذلك يصنعون من هذا الإنسان قنبلة موقوتة دون علم أو دراية قد تنفجر في أي وقت وفى أي مكان.

ثانيا: خطورة ذلك على التجار خاصة نقول لهؤلاء التجار إنَّ أكل الحرام يعمي البصيرة ويضعف الدين ويقسي القلب ويظلم الفكر ويقعد الجوارح عن الطاعات ويوقع في حبائل الدنيا وغوائلها ويحجب الدعاء ولا يتقبل الله إلَّا من المتقين، وإنَّ للمكاسب المحرمة آثار سيئة حيث تنزع البركات وتفشوا العاهات وتحل الكوارث فترى أزمات مالية مستحكمة وبطالة متفشية وتظالم وشحناء إذا كان الكسب من حرام فويل ثمَّ ويل للذين يأكلون الحرام ويتغذَّون بالحرام ويربُّون أولادهم وأهليهم على الحرام إنَّهم كالشارب من ما البحر كلما ازدادوا شرباً ازدادوا عطشا، شاربون شرب الهيم لا يقنعون بقليل ولا يغنيهم كثير يستمرؤن الحرام ويسلكون المسالك المعوجة من ربا وقمار وغصب وسرقة وغش واحتيال، تطفيفٌ في الكيل والوزن وكتمُ للعيوب، وأكلٌ لأموال اليتامى وانتهابٌ لأموال العمال بغير حق، أيمانٌ فاجرة ومكرٌ وخديعة، زورٌ وخيانة ورشوةٌ وتزوير وطرقٌ مظلمة كثيرة فالاحتكار والغش دليل على دناءة نفس المحتكر، ومؤشر على سوء خلقه، وعلامة على قلة إيمانه لأنه يعرض نفسه للوعيد وليعلموا أنه لن تنفعهم أموالهم ولا أملاكهم فتمنع عنهم عقاب الله، وليعلموا أنهم موقوفون بين يدي خالقهم فيسألهم عن كل ما جمعوه، أهو مِن حلال أم مِن حرام؟.

ثالثا: حرمة الاحتكار والإستغلال والغش والتلاعب بأقوات الناس:

ولذلك نهى الإسلام عن الاحتكار وغلاء الأسعار والاستغلال والغش وكل هذه السلوكيات الاقتصادية السيئة، فأمر بإيفاء الكيل والميزان قال تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ﴾ [الأنعام: 152]. وقال تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ﴾ [الإسراء: 35]. ويمكن القول: إنَّ الأمانة في الكيل والميزان من جملة الأمانات التي أمَر الله تعالى بأدائها ومُراعاتها. ("التفسير الكبير")؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58]، وهي من الأخلاق العظيمة التي تبعَثُ على حِفظ حُقوق الآخَرين، وتُؤكِّد ما بينهم من مُودَّةٍ ومحبَّةٍ، وتُزيل طمَع النُّفوس إلى ما في أيدي الناس دُون جهدٍ، وحبَّذا للمرء أنْ يُرجِّح إذا أعطى، ويُنقص إذا أخَذ؛ قال صلى الله عليه وسلم: "إذا وزنتُم فأَرْجِحوا" (ابن ماجه، "صحيح الجامع":825 )

وكذلك حرَّم الرسول صلى الله عليه وسلم الاحتكار وهذا يتناول كل بضاعة أو سلعة يحتاج إليها المسلمون، من قوت أو غير قوت، فعن معمر بن عبد اللّه- رضي اللّه عنه- عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لا يحتكر إلّا خاطئ» « مسلم (1605) وابن ماجه (2154).

والخاطئ هو الآثم، المذنب، أي: لا يفعل هذا الفعل الشنيع إلا مَنْ اعتادت نفسه فعل الخطيئة والمعصية. وقال أيضاً: "من احتكر حَكْرة يريد أن يغلي بها على المسلمين، فهو خاطئ" أحمد، وصححه الألباني في "الصحيحة".

ووصف المحتكر بأنه خاطئ ليس أمرًا هينًا، فالله سبحانه وصف فرعون وهامان وجنودهما بأنهم كانوا خاطئين ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: 8)

ودعا النبي صلى الله عليه وسلم على كل محتكر بأن يبتليه الله بالمرض والإفلاس من جميع الأموال المحرمة التي جمعها من وراء هذه السلوكيات الخاطئة ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم مستجابة عن عمر بن الخطّاب- رضي اللّه عنه- قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «من احتكر على المسلمين طعاما ضربه اللّه بالجذام والإفلاس» « ابن ماجة (2155)، وفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله موثقون، وأحمد (1 لا 21) وصححه الشيخ أحمد شاكر رقم (135) وله شاهد عن ابن عمر (أحمد 2/ 33) وصححه الشيخ أحمد شاكر (488) وكذا عن أبي هريرة (2/ 351) ح (8602) وينظر مجمع الزوائد (4/ 100) ».

انظروا يا عباد الله إلى كلمة: "ضربه الله بالجذام والإفلاس"، فهذه معاملة له بنقيض قصده، فإنه لما سعى إلى أن يقلل السلع في الأسواق وأن يزداد المال عنده لكي يغتني ولكي يربح، أصابه الله بالإفلاس، وهو الفقر الشديد، وأيضا وعده بوعيد وهو أن يصيبه الجذام، والجذام مرض تتساقط منه الأعضاء ويتساقط منه اللحم، لأنه لما سعى إلى احتكار هذه السلع مع حاجة الناس إليها فإن الناس سيمرضون وسيصيبهم العناء، فعاقبه الله بأشد الأمراض وهو الجذام.

وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المحتكر ملعون والملعون هو المطرود من رحمة الله تعالى قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون ) [رواه مسلم].