نهار دمشق اليوم يشبه أحوالها، المدينة التي لا تزال تتعافى بعد حرب طويلة، تنعكس أحزانها على وجوه قاطنيها، نظراتهم الشاردة، وحديثهم مع أنفسهم في بعض الأحيان يجعلك تدرك كيف أرخت الحرب بظلالها على يومياتهم، بعد أن باتوا في سباق يومي لتأمين متطلبات حياتهم، وبعد أن أصبحت بديهيات الحياة في العالم الطبيعي من غاز وكهرباء ووقود، أحلاما بالنسبة إليهم.

أحلام على شكل كوابيس، غدت شاغلهم اليومي، وطغت على "صبحيات" النساء وجلسات الرجال في المقاهي وعلى أرصفة المحلات، وفي عيونهم يأس من انتظار فرج تأخر كثيراً.

ينتهي نهار دمشق، وما أن يلقي الليل بظلاله، تتغير الوجوه، ضحكات، وأجساد تغني وتتمايل على وقع أغان صاخبة، وقرع كؤوس، لتشعر أنك في حضرة سكان مدينة أخرى، لم تمر بأزمة أو معاناة.

على طول شارع طويل في "باب شرقي" أحد أحياء دمشق الأثرية، النابضة بالحياة، تنتشر المطاعم والحانات ونواد الرقص، الموسيقى تملأ الأجواء، لكن دون هدير القذائف منذ سنوات، لقد نست شوارعها وجدرانها أنها كانت يوماً تحت مرمى هاونات جوبر المجاورة وصواريخها، وغابت رائحة البارود عن ذاكرتها.

آراء الناس هنا متقاربة، تتفق الغالبية على فكرة التعود والتكيّف مع الظروف "أصبحنا محصنين ضد المفاجآت"، يبدو أن سنين الحرب الطويلة وما حملته من خوف وفقدان جعلتهم أكثر قدرة على مواجهة الحياة.

وسط ضجيج الموسيقى الصاخبة في أحد بارات "باب شرقي"، يهمس لي أحدهم قائلاً إن الوضع اليوم أصعب مما كان عليه زمن الحرب: "صحيح أن الموت لم يعد قريبا كما قبل، لكن الناس باتت أكثر تعاسة من أن يصيبها الموت فجأة، الجري خلف لقمة العيش بات ماراثوناً ليس بإمكان الجميع استكماله".

سامر، الشاب الثلاثيني وجد أن "السوريين اختاروا تحدي ظروفهم القاسية"، مفسّراً التناقض بين صباحات دمشق ولياليها كنوع من "هروب الشباب من واقعهم، كثيرون منهم ينتظرون نهاية الأسبوع لرمي ثقل أيامهم في هذا المكان".

سعيد، مستمثر البار، يؤكد أن مقهاه لا يخلو من الزوار بشكل يومي لكن ليلتي الخميس والسبت تكون نسبة امتلاء المحل قريبة من الكاملة"، مشتكياً في الوقت ذاته من أن "الزيادة الكبيرة في أسعار خدمته، لم تنعكس على أرباحه التي تراجعت مقارنة مع السنوات السابقة، فالتضخم وغلاء الأسعار يلتهم جيب الزائر وربح المستثمر على حد سواء".

وعن الفوارق الأخرى بين الماضي والآن، عدا الأسعار، يضيف سعيد وبعينين مبتسمتين: "هناك تحول في نوعية الزبائن وأعمارهم، غابت فئة الشباب الصغار، ربما نتيجة غلاء الأسعار، وقد تكون للهجرة دوراً، كما تغير الذوق الموسيقي أيضاً".

أغادر المكان بعد التقاط بعض الصور، لأتفاجأ أثناء تصفحي لموقع "فيسبوك"، بعشرات المنشورات التي تتحدث عن غارة إسرائيلية على عدد من النقاط في محيط العاصمة، وصور لسماء دمشق المضاءة بوسائط نارية اعترضت الصواريخ التي غطى صوت المرح على هديرها فغاب عن سمعي، والكثيرين مثلي ممن كانوا في باب شرقي والشوارع المشابهة لها.

قد تبدو فكرة أن دمشق النابضة بالحياة للقاطنين في الخارج ضرباً من الخيال، في ظل تصدّر أنباء الموت والانفجارات عناوين أخبارها لسنوات طويلة، لكنه الواقع بعينه.

البعض اختار البقاء إيمانا بانتمائه أو بأن هذا الوقت سوف يمضي، والبعض الآخر هاجر بحثاً عن ظروف أمنية أو معيشية أفضل، آخرون مازالوا ينتظرون فرصة للمغادرة، لكن من يمشي في شوارع دمشق لا بد وأن يقبل بحقيقة أن ليل دمشق لا يشبه نهارها.