01:41 م - السبت 27 / نوفمبر / 2021
  • دولار أمريكي 3.18 شيكل
  • دينار أردني 4.50 شيكل
  • يورو 3.54 شيكل
  • جنيه مصري 0.20 شيكل

"هدنة طويلة الأمد".. بقلم: د. محمد مشتهى

بقلم : د.محمد مشتهى

كل إحتلال على مر التاريخ كان جُلّ همّه هو توفير الهدوء لجبهته الداخلية والاتفاق مع مَنْ يُقاومه على الهدوء، والاحتلال "الإسرائيلي" ليس استثناء، والمحتل لم يأت إلى فلسطين لكي يعيش وسط الخوف والمجهول أو أن يُجرح أو يُقتل، وإلا ترك هذه الأرض التي لا تربطه بها أي عقيدة إلى بلاد أكثر أمنا، والأمثلة في البلدان التي تحررت من احتلالها عديدة وخير مثال معاصر هو الاحتلال الامريكي لأفغانستان، حيث أن الأفغان فقراء وما يملكونه من سلاح هو متواضع مقارنة بقوة الأمريكان، لكنهم استمروا في المقاومة لعشرون عاما رغم معاناتهم وخسائرهم الكبيرة، مما جعل الغلبة في نهاية المطاف لهؤلاء الفقراء، لذلك لا يمكن لأي بلد يسعى إلى التحرر أن يناله دون مقاومة مستمرة ولا يمكن طرد المحتل بالمقاومة الموسمية أو المتقطعة أو في هدوء طويل الامد، فالهدنة أو التهدئة الميدانية أصلا وُجدت لالتقاط الأنفاس فقط، هناك عدو موجود ومهم الإدراك أنه في حال كان لدى المقاومة مفتاح للتهدئة فالعدو لديه مفاتيح أيضا، وكما للمقاومة مصلحة بالتهدئة أيضا للعدو مصلحة فيها وربما تكون مصلحته أكبر من مصلحة المقاومة، لذلك من المهم مراقبة مصلحة العدو في أي تهدئة جيداً، فإذا كانت مصلحته أكبر وتُشكّل خطرا مستقبليا على القضايا الوطنية فإنه يتوجب على المقاومة العودة إلى الميدان دون تردد حتى يتم التأكد بأن مصلحة المقاومة فيها تنسجم والقضايا الوطنية.

الهدنة الميدانية في وعي المُقاوِم مطلوب أن يكون عمرها قصير، وتنتهي بانتهاء استفادة المناضل منها، وفي حال شعر المناضل بعد يوم واحد من إبرامها بأنها لا تخدم قضاياه الوطنية، مطلوب عندئذ أن يضربها بحذائه وبكل حزم ليعود مجددا إلى خندق المواجهة، ليس مطلوباً منه أن يتحمّل مساوئها وألاَّ يقدّسها.

لا يوجد في وعي المناضل الذي يسعى لتحرير أرضه شيئ اسمه هدنة طويلة الأمد، ربما هذا يحدث بين دولتين لكن لم يحدث سابقا أن تم ابرام هدنة طويلة الأمد بين دولة تحتل أرض دولة أخرى أو بين مستوطنين لقطاء جاءوا واحتلوا أرض غيرهم، حتى النقاش حول هدنة طويلة الأمد في ظل احتلال للقدس واستيطان يتمدد ويتم الاعلان يوميا عن بناء آلاف الوحدات السكنية في الضفة، ووجود آلاف الأسرى في سجون الإحتلال وفي ظل اعتداءات ليل نهار على كامل أرض فلسطين، مثل هكذا نقاش في ظل هذه الحالة هو سير عكس التاريخ وهروب من الواقع، وإن لهثان العدو لهدنة طويلة الامد وهذه ليست المرة الاولى، حتى في خضم المعارك مع المقاومة دوما كان يطالب العدو بهدنة طويلة الأمد، وكان آخرها في معركة سيف القدس عندما قال بيني غانتس: لن نوقف القتال إلا بهدنة طويلة الأمد، والعدو لا يلهث خلف هدنة طويلة الأمد عبثا، وفي المقابل المقاومة لا ترفض الهدنة طويلة الأمد عبثا.

عند إبرام هدنة، يفكر المُقاوِم بمعادلة الربح والخسارة في الميدان 《أي تقليل الخسارة وزيادة الربح》، نعم إن تلك المعادلة موجودة في ذهنية المناضل ومطلوب أن تكون موجودة لكن على مستوى الميدان؛ فالمُقاوِم دوماً يجب أن يحاول أن يزيد من الربح ويقلل الخسارة، لكن بالمجمل تكون مقتلةٌ في حال تم اعتماد هذه المعادلة كاستراتيجية للتحرر، لأن كل معادلات الربح والخسارة سقطت في أزمنة الشعوب التي تحررت من احتلالها، وحركات التحرر التي اعتمدتها كاستراتيجية بقيت تعاني من نتائجها حتى عادت وتخلّت عنها استراتيجياً واعتمدتها تكتيكياً في ميدان المواجهة فقط.