06:00 م - الجمعة 24 / سبتمبر / 2021
  • دولار أمريكي 3.22 شيكل
  • دينار أردني 4.54 شيكل
  • يورو 3.78 شيكل
  • جنيه مصري 0.20 شيكل

كيف حولت حركة الجهاد الإسلامي التهديد إلى فرصة وأجهضت المخطط الصهيوني؟

كنعان _ بقلم: عرفات عبد الله أبو زايد

لا تخلو مسيرة المجتمعات والحركات من تهديدات أو عقبات ومشاكل، تقف في طريق المُضي قُدما نحو تحقيق الأهداف، ولكن نادراً ما نجد من تلك المجتمعات والكيانات.

من يستطيع تحويل تلك التهديدات إلى فرص يستطيع تحويلها لصالحه على ضوء مجريات الأحداث الميدانية، لاسيما وأن هذا الأسلوب يحتاج أن تمتلك قدرات إدارية، وتشخيص الواقع عبر تقدير موقف مهني ودقيق، بالإضافة إلى تحمّل المسؤولية وقت الأزمات والعقبات.

وفي هذا السياق لم تتوانَ أجهزة الأمن الصهيونية عن استخدام كافة إمكاناتها وقدراتها بهدف إضعاف المقاومة وبيئة المقاومة، وسعى الاحتلال خلال العقد الأخير بعد اقتناعه بعدم تحقيق انتصار ساحق على المقاومة بالضربة القاضية، سعى نحو تبنِّي استراتيجية جديدة تتمثل في تدمير بيئة المقاومة وحاضنتها من الداخل؛ وذلك عبر أساليب عدة، إما إغراق هذه البيئة بالفقر من خلال فرض واقع اقتصادي واجتماعي خانق مثلما يحدث منذ نحو 15 عام في غزة، ومنذ بضع سنوات في لبنان؛ وذلك بهدف تأليب بيئة المقاومة على فصائل المقاومة من خلال إدخال المنطقة في أتون صراعات داخلية "نظيفة"؛ بمعنى حرق المنطقة دون إظهار وجود لأيدي الاحتلال بأي كارثة يمكن حدوثها مثلما حدث في مرفأ بيروت ومؤخراً في غزة من خلال انفجار في أحد الأبنية في منطقة سوق الزاوية وسط غزة؛ مما أحدث ضرراً في العديد من المنازل والمحالِّ التجارية في المنطقة؛ والذي أدى استشهاد المواطن عطا ساق الله.

في تقديري الشخصي وكما يبدو بأن هذا الانفجار لم يكن نتيجةَ خلل فني أو تقني، بل أعتبره عملاً صهيونياً مكتملَ الأركان.

وهنا لا أستبق بالتأكيد رواية الجهات المختصة التي لازالت تحقق في مجريات الحدث، ولكن من خلال بعض القرائن والأدلة –ليست الجنائية- يتضح بأن هذا الانفجار لم يكن الهدف منه سوى ضرب بيئة المقاومة في خِضم واقع وظرف اجتماعي واقتصادي صعب تمر به غزة بعد معركة سيف القدس؛ التي استطاعت المقاومة من خلالها أن تبرز دورها بشكل ملحوظ وهام في إطار سياسة توازن الردع مع الاحتلال، ولم يكن عبثاً التعليق السريع للناطقين بإسم جيش الاحتلال الذين خرجوا عقب الحدث مباشرة بتصريحات تتهم حركة الجهاد الإسلامي بإدارة "مركز للصنيع بين السكان"، وتحريض المواطنين بغزة بالوقوف ضد فصائل المقاومة، وما تلاه من تصدير بيانات مغلوطة عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي للتحريض على المقاومة، وفي ذات السياق جاء بيان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الذي حمل اتهاماً واضحاً لفصائل المقاومة بتعريض حياة المدنيين للخطر وذلك على خلفية الحادث الأليم في سوق الزاوية، الأمر الذي استبق مجريات التحقيق في سابقة غريبة من نوعها.

ويمكن القول: بأن البيانات والتعليقات التي خرجت عقب الانفجار تؤكد بأن الهدف كان يتمثل في ضرب الحاضنة الشعبية للمقاومة، وقد ساهمت آثار الانفجار على إيجاد أرض خصبة للعدو كي يستغل الأمر بالطريقة المُثلى.

حركة الجهاد الإسلامي من جانبها كما يبدو لم تتخلَّ عن مسؤولياتها وواجباتها, فالمجتمع الفلسطيني على دراية كاملة بما تملكه هذه الحركة من مبادئ وأخلاق تجعلها لا تتهرب من مسؤولياتها، فهذه الحركة التي لم يكن لديها مجرد تفكير في إبقاء الموضوع قيد الضبابية أو تائهاً قامت الحركة كما يبدو بدراسة الحدث من كافة أبعاده الأمنية والعسكرية والاجتماعية، وبناءً عليه أخذت خطواتٍ أخلاقيةً وجريئةً وذلك منذ اللحظة الأولى لوقوع الحدث.

وعلى الرغم من حجم التهديدات التي كانت تقف أمام الحركة والسيناريوهات الصعبة التي تواجهها والتي كان يمكن تتملص منها بكلمة واحدة "لاعلاقة لنا بما حدث" أو تلتزم الصمت؛ لكن حركة الجهاد الإسلامي أخذت خطواتٍ استطاعت من خلالها تحويل هذا التهديد إلى فرصة، ويمكن رصد بعض الخطوات التي اتخذتها الحركة في هذا السياق وهي على النحو التالي:

1- تصدير بيان من حركة الجهاد الإسلامي قدمت فيه التعازي لعائلة ساق الله، والإشارة فيه للجرحى وأصحاب الأضرار نتيجة الانفجارمن خلال إعلانها الوقوف معهم ومساندتهم.

2- زيارة الجرحى ذوي الصلة بالانفجار.

3- زيارة وفد من أعلى مؤسسات الحركة "المكتب السياسي" لمنطقة الانفجار.

4- زيارة وفد كبير يضم أعضاء المكتب السياسي والقيادة العسكرية وكوادر حركة الجهاد الإسلامي لبيت عزاء عائلة ساق الله.

5- اتصال الأمين العام للحركة الأستاذ زياد النخالة في عائلة ساق الله لتقديم التعزية.

6- تعاون الحركة في مجريات التحقيق بالحادثة للوصول الى أسباب الحدث.

7- إعلان الحركة استعدادها لجبر خواطر المتضررين.

من خلال هذه الإجراءات الحكيمة والخطوات الرزينة استطاعت الحركة أن تحول هذا التهديد الخطير إلى فرصة مهمة تمثلت فيما يلي:

1- التفاف رواد مواقع التواصل الاجتماعي والنشطاء حول حركة الجهاد الإسلامي من خلال تقديرهم لموقفها الأخلاقي والوطني.

2- تصدير بيانات منفصلة من لجنة القوى الوطنية والاسلامية وفصائل المقاومة الفلسطينية لإدانة بيان المركز الفلسطيني لحقوق الانسان.

3- تصدير بيان من عائلة ساق الله أكدت فيه اعتزازها بالمقاومة وتضحياتها وما تقدمه دفاعاً عن الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته، معربة في الوقت ذاته عن رفضها استغلال الحادث للنيل من المقاومة، كما طالبت العائلة المؤسسات والهيئات الالتزام بالأسس الوطنية ووحدة الصف، والعمل على تضميد الجراح بدلاً من التسابق في إصدار البيانات وتوجيه الإدانة، واتخاذ الحدث الأليم منصة لتوزيع التهم، في ذلك إشارة لرفض العائلة لبيان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.

ولذلك يمكن القول بأن بيان عائلة ساق الله لم يأتِ عبثاً بل كان نتيجة ورداً على الموقف الأخلاقي الذي قدمته حركة الجهاد الإسلامي التي وقفت عند مسؤولياتها من خلال الخطوات التي اتخذتها عقب الحادث مباشرة الأمر الذي امتص غضب العائلة الكريمة المناضلة التي يُشهد لها بالانتماء للمقاومة، فهذه العائلة وغيرها من المتضررين من الحادث الأليم كان يهدف الاحتلال من خلالهم التحريض ضد المقاومة، واستهدافها من وسط حاضنتها الشعبية.

وقد استطاعت حركة الجهاد الإسلامي عبر بصيرة قيادتها الوازنة والواعية أن تجهض المحاولة الصهيونية، بل استطاعت الحركة أن تنال إعجاب والتفاف المجتمع الفلسطيني حولها كحركة تتمتع بالأخلاق والإنسانية في تعاملها مع أبناء شعبها، بالتوازي مع كونها حركة مقاومة ضد الاحتلال .. فكل الاحترام لهذه الحركة التي تبهرنا في مواقفها,د، والتي تؤكد مجدداً أننا أمام حالة فريدة من نوعها في تاريخ النضال الفلسطيني باعتبارها قدوة وأنموذجاً في العمل المقاوم.