09:54 ص - الجمعة 04 / ديسمبر / 2020
  • دولار أمريكي 3.31
  • دينار أردني 4.67
  • يورو 3.96
  • جنيه مصري 0.21
في مثل هذا التوقيت قبل 18 عاماً..

تعرف كيف حرر مُقاتلو سرايا القدس مدينة الخليل لمدة 4 ساعات

كنعان _ جنين

في مثل هذا اليوم قبل 18 عاماً، وبالتحديد عام 2002، كنا على موعدٍ مع مشهد بطولة لثلاثة شبان يافعين انتموا لسرايا القدس الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ومرغوا أنوف جنرالات وجنود الاحتلال، في التراب في خليل الرحمن.

نفذ هؤلاء الشبان الثلاثة باحترافية عالية وشجاعة قلَّ نظيرها، مخطط القيادة العسكرية لسرايا القدس، حين نفذوا عمليتهم فاختيارُ المكان، وتوقيت التنفيذ، وآليته حمل بصمات المهندس محمد أيوب سدر.

المكان كان "زقاق اليهود" حيث دفن المُجرم "باروخ غولدشتاين"، وهذا الزقاق يستخدمه المستوطنون للوصول إلى القبر.

خاض الأبطال الثلاثة: أكرم الهنيني، ذياب المحتسب، وولاء سرور، معركة شرسة أطلقوا خلالها العشرات من مخازن الرصاص على جنود الاحتلال وعصابات المستوطنين الذين كانوا يمرون في الزقاق، وأوقعوهم بين قتيل وجريح.
العملية كانت مركبة، فبعد هذا الكمين، حضرت قوات كبيرة من جيش الاحتلال للمكان، واشتبكت مع الأبطال الثلاثة عدة ساعات دون أن يستسلموا، فقد جاؤوا للإثخان في المحتلين حتى النفس الأخير.

خلال العملية، عقد رئيس حكومة الاحتلال حينها أريئيل شارون اجتماعاً مع كبار قادة جيش الاحتلال وأجهزته الاستخبارية لمناقشة مجريات العملية التي مضى عليها 3 ساعات ولم تتوقف، ما نشر حالة من الهلع لدى المستوطنين الذين يقيمون في كل منطقة الخليل، وبدأ بعضهم بالرحيل من المنطقة المحيطة بالعملية لظنهم أن جيشاً من المسلحين يُحِكمون السيطرة على المكان، ولن يسلم من رصاصهم أحد.

وسط هذا كله، يُطل الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الراحل د. رمضان عبد الله شلَّح، على شاشات التلفزة - على الهواء مباشرةً- ليُعلِن أن من يُنفذ العملية -المستمرة- هم مقاتلو سرايا القدس، ساعتها وقف المحتلون مذهولين أمام براعة التخطيط، ودِقة التنفيذ وقوته، المفاجأة المدوية بنقل المواجهة من شمال الضفة - بعد معركة جنين بأشهر- إلى جنوبها.

كان العالم يتابع في بثٍ حي ومباشر ما يحدث، يومها كان رصاص سرايا القدس هو الذي كان يتكلم... يومها استدعت قيادة جيش الاحتلال نصف قواتها المنتشرة في مناطق الخليل، مدعومة بالطائرات والمدرعات، لتُمطِر المكان ولأكثر من ساعة بالقذائف ورصاص الرشاشات الثقيلة، لتُنهي المعركة التي شكّل استمرارها لساعات فضيحةً مدوية لهم.

لاحقاً كشفت سرايا القدس، أن التحضيرات للعملية بدأت قبل شهرين من تنفيذها، وأن الإعداد لها كان شاقاً ومحفوفاً بالمخاطر، حيث أجرى المجاهدون الثلاثة الذين نفذوا العملية جولات استطلاع مباشر لمكان الهجوم، ورصدوا حجم الوحدات العسكرية المرافقة للمستوطنين على الطريق الممتد بين بوابة مستوطنة "كريات أربع" وبين الطريق الذي يُطلق عليه الصهاينة اسم "شارع المُصلين"، واضطر الشبان الثلاثة أحياناً إلى التخفي من أجل تحديد أدق لمواقع الحراسة، وعددها، وطبيعتها، ومدى فاعليتها، ونقاط ضعفها، والأماكن المشرفة عليها، والطريقة التي يتم فيها تنفيذ أسلوب الحراسة المتسلسلة "التتابع"؛ بحيث أن كل قوة حراسة على امتداد الطريق إلى المسجد الإبراهيمي في الخليل تتسلم حراسة المستوطنين في منطقة محددة، وترافقهم فيها لتسلمهم إلى حرس المنطقة التالية، فضلاً عن الحراسة الجوالة المكونة من حرس الحدود بمساعدة وحدات من القوات النظامية، وهذه غالباً ما يرافقها عدد من سيارات الجيب العسكرية المحملة بالجنود.

وفي تمام الساعة السابعة وثلاث عشرة دقيقة، فتح المجاهدون الثلاثة النار على الأهداف التي حددوها، لتصعق كثافة النيران، وعنصر المباغتة جنود العدو في سيارتي الجيب والموقع العسكري أو الكمين الثابت الذي نصبه جنود الاحتلال في حقل زيتون أسفل الطريق، ليسقط على الفور عدد من القتلى والجرحى في صفوف الجنود في إحدى الدوريات الراجلة، وفي الموقع ـ الكمين على الطريق، حيث أقرّ لاحقاً أن جنود الكمين الثابت تلقوا الضربة الأشد.


وبعد ساعة متواصلة من القصف المركز، هدأت نيران المقاومين لعدة دقائق، فاطمأن جنود الاحتلال ظناً منهم أن قواتهم استطاعت القضاء على المسلحين في المكان، ولم تلبث فرحتهم سوى دقائق معدودة حتى أعاد الأبطال الثلاثة النيران على دوريات الاحتلال المرابطة في المكان فأصابت منهم الكثير، وأوقعت 4 من كبار ضباط جيش الاحتلال في منطقة الخليل قتلى داخل دوريتهم العسكرية.

ووصفت قيادة العمليات في جيش الاحتلال ما جرى بـ"معركة من طرف واحد"، حيث قال أحد ضباط جيش الاحتلال: "كان هناك جنود قتلى على أطراف الكمين بجانب الطريق، وآخرون جرحى يصرخون، عدد آخر من الجنود انبطحوا أرضاً وراحوا يصرخون طالبين النجدة، هرج وفوضى في نهاية الشارع، وإحدى سيارات الجيب انحرفت عن الطريق، وقفز منها جنديان فجرح أحدهما، وانبطح الآخر أرضًا".

وتحت وقع سيل النيران والرصاص والقنابل اليدوية، عمّت الفوضى في صفوف دوريات العدو وجنوده، لتنتقل المواجهة إلى الزقاق الخلفي المُظلم على بعد أمتار من الشارع حيث يتحول الزقاق إلى كرة من اللهب تصرع كل من يقترب منها، ذلك أن مجاهدي سرايا القدس أعادوا تموضعهم في المكان ليسيطروا على امتداد الزقاق ومخارجه.

حاولت قوات جيش الاحتلال أن تُدرك حقيقة ما يدور، اقترب جيب عسكري من طرف الزقاق ثم انعطف فجأة ليدخل فيه، وفي هذه اللحظة يظهر أحد المجاهدين خارجاً من منزل في الزقاق ويندفع نحو الجيب فيفتح الباب الخلفي، ويرشق الجنود فيه بوابل متواصل من الرصاص من النقطة صفر -كما تحدث الناجون من جيش الاحتلال ممن أصيبوا- فيقتل جنود الجيب جميعاً.

بعد ذلك، وفي محاولة أخرى لاقتحام الزقاق، وصلت سيارة جيب ثانية وفيها ضابط عمليات حرس الحدود في المنطقة الرائد سميح سويدان ومعه جندي آخر، وما أن أصبحا في ثغر الزقاق حتى صرعهما رصاص مجاهدي سرايا القدس.

في تلك المرحلة، كانت المنطقة قد تحولت لساحة حرب حقيقية، في ظل تواصل قدوم التعزيزات العسكرية الصهيونية، وعدم قدرة ضباط العدو على تقدير الموقف. وتضاربت تصوراتهم عن حقيقة ما يجري، فكان الاعتقاد أولاً أن المجاهدين دخلوا إلى مستوطنة "كريات أربع" وأطلقوا النار على المستوطنين، ولاذوا بالفرار، وسرعان ما تبدد هذا الاحتمال تحت وقع الحدث وتواصله، ثم تحدث ناطق عسكري صهيوني عن قيام المقاومين باحتلال موقع عسكري، إلا أن المجاهدين كانوا يقومون بتحركات هجومية كثيفة خلال المعركة.


لاحقاً، تقدم قائد لواء الخليل بجيش الاحتلال درور فاينبرغ على رأس قوة عسكرية كبيرة، وهو يستقل سيارة جيب مدرعة، لاقتحام الزقاق وما أن ظهر على بعد أمتار من مدخل الزقاق حتى عاجله أحد المجاهدين بسيل من الطلقات في صدره، فأسرع عدد من جنوده لجره خارج مرمى النيران ليسقط عدد منهم بين قتيل وجريح.

ووفق جنود الاحتلال فإن الجنرال فاينبرغ، وبعد اجتيازه عشرين متراً بالجيب "ترجل قبل أن يتمكن من ارتداء درعه الواقية" - في محاولة منها للتقليل من صورة الهزيمة التي أصابت جيش الاحتلال في معركة الخليل-.
في النهاية، قامت طائرات الاحتلال بعد 4 ساعات متواصلة من الاشتباكات بقصف الزقاق بصورة كثيفة، فارتقى الأبطال الثلاثة شهداء، بعدما تمكنوا من قتل 14 ضابطاً وجندياً إسرائيلياً بالإضافة لعشرات الجرحى، وفق اعترافهم.

 

بالفيديو : «زقاق الموت»: عملية نوعية أذهلت جيشاً بأكمله وزلزلت أركانه