07:18 ص - الأحد 17 / نوفمبر / 2019
  • دولار أمريكي 3.60 شيكل
  • دينار أردني 5.06 شيكل
  • يورو 4.04 شيكل
  • جنيه مصري 0.20 شيكل
حارس ذاكرة العودة الفلسطينية ...

الشهيد المعلم فتحي الشقاقي .. ثائراً فلسطينياً صدَّق قوله فعله وسبق بفكره عصره

كنعان _ محمد الجبور

لم يكن الشهيد القائد فتحي الشقاقي إلا امتداد ديموغرافي لمعاني النكبة واللجوء لكل الشعب الفلسطيني، ففي مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة، كان بزوغ فجر ميلاد الشهيد القائد في عام 1951 أي بما يقرب من عامين بعد النكبة وبعد سنوات قليلة استكشف الشهيد القائد فتحي الشقاقي ملامح الوجود في حبيبات عرق العامل الفلسطيني الذي هو أبيه ويقارن وليربط بين شظى العيش في مساكن وكالة الغوث وبين الخطوط المرتسمة على وجه أبيه ومن هنا كانت الحقيقة ومواجهة الحقيقة وخاصة بعد أن فقد الطفل الذي لم يتجاوز عمره الــ15 عام والدته فكان لفقدها  الأثر الكبير  في حياته.

من هنا تأسست اللبنة الأولى في أسلوب استقرائي واستنتاجي لمعنى النكبة والمعاناة ومن هنا كان البحث عن الطريق . نعم أنه اللاجئ من تلك القرية الصغيرة  " زرنوقة" التي ترتمي الآن اغتصاباً في أيدي شذاذ الأرض الصهاينة .

لقد بحث الشقاقي في كل أوراق الكون فوجد العنوان العريض كلمة اللاجئ ووجد الظلم والاضطهاد كبقية شعبه من الفلسطينيين، فالتحق الشهيد وهو أكبر اخوته بجامعة بيرزيت ليتخرج من قسم الرياضيات وعمل مدرس في مدارس القدس، لم تحقق أمانيه بدراسة الرياضيات فأعاد دراسة الثانوية العامة فكانت أمنياته أن يصبح مهندساً ، ميول تنم عن الرغبة في الحياة الإنسانية وفي المشاركة في الصناعة التقنية الحضارية للعالم ولكن ببعده الإنساني والعاطفي والشعوري انصاع الشهيد إلى رؤية أبيه ورغباته فدرس في كلية الطب جامعة الزقازيق ليصبح طبيبا في مستشفى المطلع بالقدس ثم طبيبا ً في غزة .

نمى هذا البعد الإنساني فكان عاشقاً للغة الأدب والفلسفة وغاص في أعماقهما فتحركت يده اليمنى الطاهرة لتصنع من الحروف والكلمات لغة الأدب الممزوجة عضويا مع العمق الوطني لديه و التي عشقها كإنسان وبرؤية المحنة والمعاناة ونظرة التمرد على الواقع وعلى السجان..

وعاش فتحي الشقاقي كإنسان بكل ما وهب الله للإنسان من الشعور المرهف الحس فتأثر بأدب إخوته الناتج من المعاناة في ظل الاحتلال عام 1948م. حتى كان استشهاد بعد محطات طويلة مع المعاناة والأسر والإبعاد والملاحقة، لكن حارس العمر الأجل، كما كان فتحي الشقاقي يقول لكل من يطلبون منه أن يحتاط ولو قليلاً.. كان يقول عشت أكثر مما تصورت، وإذا استشهدت ففي الأمة مجاهدون سيكملون الطريق…

وفي السادس والعشرين من أكتوبر في شهر خريفي كهذه الأيام، كان الدكتور  فتحي الشقاقي عائداً من ليبيا وحده حيث حاول أن يثني القيادة الليبية عن عزمها إبعاد اللاجئين الفلسطينيين إلى المجهول.. وكان عليه أن يتوقف في مالطا قبل أن يكمل الرحلة إلى دمشق، فغدرت به يد الموساد الصهيوني فيما كان يشتري ألعاباً لخولة وأسامة وإبراهيم..

24  عاماً مرت على استشهاد فتحي الشقاقي، ومن المؤكد أنه سيبقى حاضراً كما عرفه شعبه حارساً لذاكرة العودة الفلسطينية صاعداً وسط الحراب في إبداع المقولة وإرادة الجبال "أصلب من الفولاذ، وأمضى من السيف، وأرقّ من النسمة. بسيطًا إلى حد الذهول، مركبًا إلى حد المعجزة! ممتلئًا إيمانًا، ووعيًا، وعشقًا، وثورة من قمة رأسه حتى أخمص قدميه".. وتلك كلمات وصفه بها عقب استشهاده رفيق دربه الدكتور رمضان عبد الله شلح أمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

حارس العمر الأجل

وهكذا رد الشهيد القائد د. فتحي الشقاقي على تهديدات المجحوم "إسحاق رابين"، الذي صعق من عملية بيت ليد الاستشهادية المزدوجة التي قتل فيها 24 جنديا إسرائيليا  بتاريخ 27/1/1995م.

"يبدو أن الإسرائيليين لم يدركوا بعد أننا نحب الموت كما يحبون هم الحياة، وكانهم لم يلحظوا أن كل محاولاتهم للقتل والاغتيال لم تكن الا لتزيد الثورة اشتعالا.. هذه قضية عادلة لشعب كله مظلوم ولأمة تريد أن تحيا خارج سيطرة القوى الكبرى، وخارج هذه الهيمنة المستمرة منذ عشرات السنين.

وكأن رابين الذي يهدد ويوعد لم يلاحظ مثلاً أن اغتيال هاني عابد أحد نشطاء ومسؤولي حركة الجهاد الإسلامي جعل مزيداً من الشباب أكثر استعداداً للاستشهاد وجعل العديدين ينضمون للمجموعات الاستشهادية التابعة للجهاد الإسلامي.

 أؤكد لك أن حارس العمر الأجل واننا مستمرون في جهادنا ولن تثنينا هذه التهديدات عن مواصلته وعزاؤنا دائماً أن الجهاد والثورة ستبقى مستمرة في جميع الأحوال، وليست هناك قضية عادلة يمكن أن تخسر خاصة عندما تكون بقداسة وعظمة القضية الفلسطينية، وأهلها بحيوية الشعب الفلسطيني.

على كل حال نحن نسمع باستمرار مثل تهديدات رابين هذه، ونقول أنه إذا نفذ أياً منها فإنه يكون فقط قد ارتكب حماقة جديدة لا أكثر..".

رؤيته سبقت عصره 

ويقول  الشيخ المجاهد نافذ عزام عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الاسلامي في فلسطين في ذكرى ارتقاء رفيق دربه المعلم الشقاقي :" كل ما يجري إقليميا ودوليا وفي الساحة الفلسطينية يعطي صدقية أكثر لمجموعة الرؤى والأفكار التي طرحها "أبو إبراهيم" رحمه الله.

ففي كل ذكرى يكون هناك قوة دفع متجددة، تمنحنا ثباتاً أكثر وتزيد من إيماننا بالمبادئ التي حملنا إياها القائد المؤسس رضوان الله عليه، والتي عشقناها وأعطت دائما المثال الأوضح على استثنائية شخصية أبو إبراهيم، وتميزه والإنسانية الكبيرة التي ملأت قلبه".